2
الكاتب: Administrator
الخميس, 17 تشرين2/نوفمبر 2011 20:42
PDF طباعة أرسل إلى صديق

أحلام من رمال في عالم من خيال:

"هناك على الشاطئ الآخر"

ولّى زمن الأبطال والأحلام السعيدة، وما عادت السماء تمطر وروداً.. الكل يهرب بحثاً عن الحب والحقيقة، وللمغترب في الغربة كما في الوطن، سماء وأرض تحاصره بالاختلال وفقدان الألوان.. ما أصعب صرخة الانسان في بيداء الانتظار والحلم المضيع لاستخراج المحبة والوصول إلى شاطئ آخر يكون أكثر أماناً واتزاناً. حول هذه الأفكار جاء صوغ الكاتب الأردني "فتحي عبد الرحمن" لمسرحية "هناك على الشاطئ الآخر" من إخراج "ذياب شاهين" قدمتها فرقة المسرح الشعبي باسم المملكة الأردنية الهاشمية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.


ذياب شاهين اسقط عوامل الإبهار التقني لإبراز الإقناع الحسي بحروف الكلمات

"صوفي وسالي" شقيقتان... عاشتا سوياً في كنف الأب والأم، وعاصرتا زمن المعاناة في وطنهما، حيث قلة الموارد والإمكانات، ومدى تعب الأب في توفير الحد الأدنى لهما من الحياة الكريمة. وكم انعصر قلباهما وسط دوامة المشاحنات الدائمة بين أمهما وأبيهما.

ورثت "صوفي" الضريرة كل القيم والتقاليد الشرقية بما فيها من نبل وأصالة واحترام للكبير وتقدير لعرق ومجهود الوالدين، بينما كانت "سالي" تصارع تلك الرغبة الجامحة بداخلها نحو التمرد والانطلاق إلى آفاق جديدة تحقق لها أحلامها وطموحاتها في الحياة داخل دائرة الرفاهية مثل ما كانت تراه في العديد من قرنائها.

رحلة الشاطئ الآخر

تحين الفرصة للأب في إمكانية النزوح إلى "أمريكا" حيث العالم الخيالي الخرافي الذي يسمع عنه من توفير الحياة المملوءة بالرفاهية، ويعرض الأمر على زوجته التي ترتاب من هذا الانتقال الذي ربما يكون وجهه الزائف سبباً في خلخلة أرضية شاطئ نشأتها والوقوع في متاهات ذلك الشاطئ الآخر. ولكن الأمر يتم حسمه وتنتقل الأسرة بكاملها إلى تلك البقعة الجديدة، حيث يعمل الأب في أحد المتاجر هناك... وتمر السنون بكل ما فيها من متغيرات ويدب الخلاف بين الوالدين... وينفصل الأب الذي يرتبط بعلاقة مع إحدى حسناوات أمريكا، وترحل الأم تاركة الأبناء في مواجهة المصير الغادر.

صراع الشاطئين

تحتل "صوفي" مكانة الأم... وينتابها شعور القلق تجاه شقيقتها "سالي" التي أطلقت لنفسها العنان في دائرة الحرية القاتلة، وتغيرت طباعها وألقت بالقيم والتقاليد في بحر النسيان وسارت على نهج بنات الغرب حيث مصادقة الرجال والبحث عن اشباع الرغبات والنزوات.

لقاء دائم أشبه ما يكون بحلبة المصارعة بين الشقيقتين، تحاول فيه "صوفي" أن تعيد الاتزان إلى "سالي" الرافضة تماماً ما أسمته التخلف وتصرخ بصوت عالٍ "أنا أمريكية"... وتلقي بالاتهامات على والدها ووالدتها، فهما سبب ما وصلت إليه... ولكن "صوفي" تصفعها مؤدبة ومؤكدة على ضرورة احترام والديها.

يدخل "جاك" الأخ الوحيد لهما في حلبة الصراع، فبعد غياب استمر سنوات عاد اليهما وهو يسبح في عالم الضياع لإدمانه المخدرات... وعلى الرغم من اللقاء الحار الذي يرجع إلى ذرة ضئيلة من الانتماء الأسري ما كانت بداخلهم، إلا أن "جاك وسالي" يكونان شاطئاً واحداً يقابل شاطئ "صوفي" المتمسكة بجميل القيم والمبادئ.

قمة المأساة

بعد حوادث عنيفة ومتباينة بين أطراف الشاطئين، تلمع في عيون "جاك" فكرة الحصول على أموال أبيه الموجودة في خزنة بالطابق السفلي للمنزل وتؤيده "سالي" ولكن "صوفي" تقف لهما بالمرصاد.

اتفاق جانبي بين "جاك وسالي" على ضرورة الحصول على مفتاح الخزنة المحفوظ لدى "صوفي" محاولان استغلال فقدها البصر لتحقيق الرغبة. وبعد معركة دامية يحصل "جاك" على المفتاح وينزل إلى القبو.

لحظة صمت شديدة، تصحو فيها قيم داخل "سالي" وتنظر إلى شقيقتها الضريرة "صوفي" ويتم اللقاء الروحي بينهما ويقفلان سوياً باب القبو ويحتضنان بعضهما، بينما يصرخ "جاك" طلباً فتح القبو.

تفيق الشقيقتان على صوت طلقة من مسدس وخمود صوت "جاك" وتدقان على باب القبو بعنف وهما تصرخان "جاك.. جاك.." ولكن من دون جدوى، فقد انتهى الأمر.

التأليف

الأديب "فتحي عبد الرحمن" أحد رموز الحركة المسرحية الأردنية، وله العديد من المسرحيات سواء في مجال مسرح الطفل أو مسرح الكبار وحاز على العديد من الجوائز في كتابة النص المسرحي وهو المحرر المسؤول في مجلة المسرح الأردني.

عاصر هموم الوطن العربي بكل ما فيه من مواجع والتحم مع أهله وذويه وترجم هذه المواجع إلى حروف دامية تتحرك على سطور الأوراق، وهو في هذا النص يتفاعل بشكل ايجابي مع تلك المتغيرات التي طرأت على الصعيد العربي مثلما طرأت على الصعيد العالمي لبزوغ شمس القوة الواحدة المتحكمة "أمريكا" والتي نسجت خيالاً زائفاً من الوهم القاتل عن الحرية والرفاهية وفرص التكسب... واختار نموذجاً لأسرة عربية تقع على خط الفقر، حيث المعاناة الشديدة لتوفير لقمة العيش، وفند عن مصداقية شديدة وواقعية ملحوظة كل التناقضات الموجودة لدى أعضاء هذه الأسرة... وحدد بذكاء شديد الفرق بين عمى البصر وعمى البصيرة... حيث أوجد بداخل "صوفي" الضريرة المجال الواسع لرؤية ما وراء الأشياء، بينما في المقابل حدد سلوكيات ونوازع المبصرة "سالي" بأنها لا ترى إلا الغث وتجري وراء بريق الوهم الزائف الذي أوصلها إلى دروب الضياع وخلع عنها رداء الأصالة والعفة والطهارة، كما ركز بوعي وإدراك على الآثار التي لحقت بالابن "جاك" من خلال انغماسه في دائرة المغيبات التي تفشت وسط الشاطئ الآخر.

لجأ الكاتب إلى أسلوب "المحبظاتية" المعروف في المسرح الشرقي حيث تناوب الأبناء الثلاثة على تمثيل أدوار الأب والأم وصديقة الأب وكأنه يريد أيضاً التركيز على أصالة الشاطئ الشرقي وبعده عن أسلوب الشاطئ الآخر في مستوى المسرح، وأدخل الممثلين إلى حلبة مصارعة، وبذلك وضحت رؤيته المدركة لفنون التجريب النابع من الواقع الشرقي وليس مجرد التقليد الأعمى لما يقدمه أصحاب مبدأ التجريب الذي يصل إلى حد التخريب.

كان الكاتب أميناً مع نفسه ومع أفكاره المسرحية وحملت جمله الحوارية العديد من الفلسفيات بأسلوب سهل ومقنع وأدخل المشاهد إلى حلبة المصارعة طوعاً وترك له حرية استنباط الأشياء والحكم بتلقائية حول انضمامه إلى أي من الشاطئين، كما استغل دغدغة الحواس واستنفار العواطف بتلك النهاية المأساوية عندما حكمت الشقيقتان بالإعدام على الأخ "جاك" لاشعورياً ثم إفاقتهما على نهاية الضياع الذي لازمهما في تلك الرحلة إلى الشاطئ الآخر، وهو بذلك يضع منهجاً جديداً للتجريب في النص المسرحي يحسب له كرائد في هذا المجال في الوطن العربي.

الممثلون

تهاني عبد الرحمن "سالي"، ممثلة واعية ومدركة لأصول اللعبة المسرحية، لها رصيد زاخر بالنجاحات حيث حصلت على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان مسرح الطفل الأردني "1991" وهي في هذا العرض تعاملت مع الشخصية تعاملاً علمياً دارساً لأبعاده الخارجية والداخلية وتنقلت بحنكة واقتدار في تجسيد العديد من الشخصيات (الأب – الأم) وامتازت بالتعبير الحركي والجسدي وانتزعت اعجاب المشاهدين على اختلاف جنسياتهم.

نزيرة أديب "صوفي" منافسة شديدة لزميلتها، فهي أيضاً حاصلة على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان مسرح الشباب الأردني "1994" تعاملت مع الشخصية بشكل مدروس وبمصداقية شديدة، حيث أدرك المشاهد أنه فعلاً أمام "ضريرة" وتلاعبت بقدراتها الصوتية على اختلاف الدرجات وأبرزت القوة في مواجهة تيار الفساد وأحكمت تصوير مراحل الضعف في شخصية "الأم" وكونت مع زميلتها طرفين للصراع الدرامي بشكل مبهر.

مصطفى أبو هنود "جاك" الطرف الثالث في المنافسة، حاصل على جائزة أفضل ممثل في مهرجان مسرح الشباب الأردني "1994"، وعبر بيسر وسلاسة عن مدى العلة التي أصابت الشاب الشرقي من انغماسه في تيارات المغيبات في الشاطئ الغربي، وتلون في أدائه ما بين الباكي البائس والمهرج الساخر.

التعبير النغمي

استطاع المؤلف الموسيقي "وليد الهشيم" إحكام قبضته الموسيقية على أطراف اللعبة الدرامية، وليس هذا بالجديد عليه. فهو متخصص في حصد الجوائز أهمها: "مهرجان كداشك البولندي" (1987)، "مهرجان وارسو" (1988) و"مهرجانات الأردن" (91، 93، 1994)، واختار نغماته بوعي وإدراك علمي لأصول الموسيقى المسرحية وقام بعزفها عزفاً حياً، مما أعطى أثره الفوري في نفوس المشاهدين.

الاخراج

لم يكن المخرج الشاب "ذياب شاهين" أقل من ممثليه، فهو أيضاً متخصص في حصد الجوائز حيث حصل على جائزة أفضل مخرج في مهرجان مسرح الشباب الأردني "1994". ومن خلال رؤيا العرض يتضح أسلوبه الواقعي في التعامل مع الشخصيات كأفراد وأسلوبه التجريبي المنتمي إلى الجذور الشرقية في التعامل الشمولي للنص المسرحي، واعتمد اعتماداً أساسياً على تفجير طاقات ممثليه لإبراز المفهوم الدرامي من دون الحاجة إلى عوامل الإبهار بتقنياته المختلفة، وبذلك حصر الإمتاع البصري في بقعة الإمتاع السمعي لإبراز الإمتاع الحسي بحروف الكلمات.

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 26 كانون1/ديسمبر 2011 08:48
 
...

بيانات الاتصال

رام الله - فلسطين

664

popular.theatre.pal@gmail.com

 5854 298 - 02

5854 298 - 02