2
الكاتب: Administrator
الأحد, 03 تموز/يوليو 2011 17:01
PDF طباعة أرسل إلى صديق

تراجيديا البراءة المزيفة في النص المسرحي زمن الأبرياء

جريدة الأيام- 20/10/2003

علي الخليلي

نص مسرحي أحسب أنه سيثير فور عرضه، جدلاً واسعاً بين مختلف أفراد مجتمعنا على مستوياته السياسية والفكرية والاجتماعية، قبل المستوى الفني للمسرحية ذاتها.

النص هو "زمن الأبرياء" مقتبس من مسرحية للكاتب الألماني (زيكفريد لينز) تحمل العنوان ذاته أو قريبا منه "الأبرياء" دون إضافة الزمن، وقد ترجمها إلى العربية طارق العاني، وأعدها وأخرجها لفرقة المسرح الشعبي في رام الله فتحي عبد الرحمن.

يتناول هذا النص الذي وفر لي الصديق المخرج فتحي عبد الرحمن فرصة قراءته قبل العرض، مسألة الفداء والتضحية في سبيل الوطن (قضية الانتماء للثورة والإيمان بعقيدتها) من خلال شخصية الثائر/ الفدائي المستعد للتضحية بروحه من أجل وطنه وشعبه ومبادئه (القضية) من جانب، والمواطنين العاديين المنهمكين بمعيشتهم اليومية، وغير المشاركين فعلياً في الثورة، أو في الاستعداد المباشر للتضحية (مع العلم أنهم مواطنون صالحون وطيبون يقومون بواجبهم المعيشي على أكمل وجه) من جانب آخر.

أحد الفدائيين يحاول أن يزرع مع ثلاثة فدائيين آخرين، عبوة ناسفة في طريق قافلة من الجنود الإسرائيليين يكتشف الجنود العبوة قبل انفجارها، ويلقون القبض عليه، في الوقت الذي يهرب فيه الثلاثة الآخرون، يتعرض الفدائي الأسير للتعذيب الشديد على مدار أيام طويلة كي يكشف عن أسماء زملائه الثلاثة، وحين يصر على الرفض القاطع، حتى لو أدى الأمر إلى استشهاده تحت التعذيب، يرفع الضابط المسؤول عن تعذيبه والتحقيق معه، مسألته إلى الحاكم العسكري للبت فيها، يتفتق ذهن هذا الحاكم عن فكرة جهنمية، وهي أن يقوم هذا الضابط بإلقاء القبض على ستة مواطنين فلسطينيين أبرياء، كيفما اتفق، ويدفع كما هي في زنزانتهم بالفدائي الأسير، ليستجوبوه هم أنفسهم، وعلى طريقتهم ويحصلوا منه على الأسماء المطلوبة، فإذا فعلوا، أطلق سراحهم فوراً وإذا لم يتمكنوا أو امتنعوا، استمر اعتقالهم إلى أجل غير مسمى.

تبدأ المسرحية بهؤلاء الأبرياء الستة داخل زنزانة من وراء سور ضخم. مصرفي وفلاح ومهندس وطالب وسائق وطبيب، ثمة حارس يجلس أمام الزنزانة وبيده سوط، يصرخ المعتقلون الأبرياء متسائلين عن سبب اعتقالهم، الحارس لا يكترث بصراخهم، إلا أنه يضطر أخيراً لإعلام الضابط الذي يستجيب ويحضر إليهم وهو يقول مبتسماً "أيها السادة، نحن أكثر الناس قناعة بأنكم شرفاء ومسالمون، ولم تقترفوا ذنباً من الذنوب في حياتكم، ولهذا السبب اخترناكم، وأحضرناكم إلى هنا، لا تندهشوا مما سأقوله لكم، الفضل في وجودكم الإجباري هنا، يعود إلى براءتكم المطلقة.

ازدادت دهشة الأبرياء الستة، وعقد الغموض ألسنتهم، فكيف تكون "براءتهم المطلقة" سبباً ملحاً لاعتقالهم؟ وقبل أن يزداد الموقف إغراقا في الغموض، يشير الضابط إلى الحارس بجلب الفدائي الأسير من زنزانته الانفرادية الضيقة إلى هذه الزنزانة التي تشبه الغرفة، ينفذ الحارس ما أمر به، الضابط يفرك كفيه، ويقول للأبرياء الستة "الحاكم العسكري سيساعدكم إن ساعدتموه، اسمعوا رجاء الحاكم، هذا الرجل اعتقل قبل أسبوع بعد أن فشل في تنفيذ عملية تفجير ضخمة، وقد اعترف بذلك بعد أن قبض عليه متلبساً، ولكنه يرفض إعطاءنا أسماء شركائه في العملية الإرهابية، ويرفض التخلي عن قناعاته والاعتراف بأنه مجرم، بل يهدد بارتكاب جريمة أخرى، إذا توفرت له فرصة ثانية، يصمت الضابط قليلاً، وهو يحدق بالذهول الذي يبتلع نظرات الأبرياء الستة، ويتابع دون أن يهتم بصرختهم الموحدة "وما علاقتنا بذلك؟" "إن الحاكم العسكري يرجو منكم التعاون من أجل السلام، ومن أجل تحقيق الأمن للجميع، انتم أبرياء وشرفاء، سنسلمكم هذا المجرم ولكم مطلق الحرية في التصرف معه بالشكل الذي ترونه مناسباً ليبوح بأسماء شركائه ومن أرسلوه، وليعلن توبته واستعداده للتخلي عن قناعاته والتعاون معنا". يتركهم الضابط مع الفدائي الذي ينزف دماً، ويترك وراءه صرخاتهم المنكسرة على جدران الزنزانة وسوط الحارس "نحن لسنا أجهزة أمن"، "لا دخل لنا بهذه القضية"، "لماذا نحن نفعل ذلك؟".

يخرج الأبرياء الستة من ذهولهم الصاعق، إلى الحقيقة الأشد صعقاً لهم، الفدائي الأسير المجرح بالتعذيب بينهم/ فماذا يفعلون؟ يقترب الطبيب منه، يساعده على خلع سترته، يفحص جروحه، يسأله "هل عذبوك؟"، الفدائي المنهك من التعذيب يضحك، إلا أن الطبيب يطمئنه على أن جروحه بسيطة وخارجية، ثم يعم الصمت في الزنزانة، الفلاح يهمس أن خطأ هناك بالتأكيد، فيتكلم الطالب لأول مرة ساخراً "بل هي طريقة جديدة للاستجواب، وإصدار الأحكام من قبل الأبرياء"، وحين يصيح السائق عما يريده الحاكم العسكري الإسرائيلي من هذه اللعبة، يرد عليه الطالب بغضب "ليست لعبة، بل طريقة جديدة للقتل، يريد الحاكم إشراك الأبرياء فيما يفعله كل يوم، يريد رؤيتنا ونحن نقتل بعضنا بعضاً".

تتداخل أصوات الأبرياء الستة في جدل مضطرب، المصرفي ومعاملاته البنكية، والطبيب ومستشفاه ومرضاه، والفلاح وأغنامه، والسائق وشاحنته، والمهندس وخرائطه، ولكن المصرفي يحدق فجأة بالفدائي ويصرخ "علينا أن نجد حلاً" ومع أن الطبيب يؤكد بحكم مهنته الطبية على الأقل (إن لم يكن بمشاهدتهم المباشرة) أن "هذا الرجل" ويعني الفدائي الأسير يتألم من جروحه ومن الرضوض التي تكتسح جسده كله "ثم هل تعتقدون أنه سيمنحكم ما لم يمنحه لرجال الأمن الإسرائيليين تحت التعذيب؟ لندعه يرتاح، ثم نتحدث معه ونحاوره"

حوار، لماذا؟، وكيف؟ أم انه الرضوخ للحاكم العسكري والخيانة بعينها؟ الأبرياء الستة يغوصون في الخراب الموحش، وحين يحاول الطالب أن يقاوم هذا الخراب بالقول: "لقد أصبح الرجل مثلنا، وأصبحنا جميعنا مثله"، على أساس أن "معركتهم" أصبحت واحدة، يرفض الخمسة الآخرون هذا المنطق، أو هذا الرأي، ويرى فيه المهندس "تضليلاً" للموقف كله "انه ليس مثلنا، وهو يعرف أننا جميعنا أبرياء، ومحتجزون هنا بسببه، ولن نخرج قبل أن يعلمنا بأسماء شركائه، أليس هذا فرقاً بيننا وبينه؟".

يلبس الجلاد ثوب الضحية، ثم تلبس الضحية ثوب الجلاد، تتحطم المعايير كلها، أين الضحية وأين الجلاد في هذا المكان؟ هل كلهم ضحايا؟ أم أنهم صاروا الجلادين لبعضهم بعضاً، رغم أنهم الضحايا منذ المشهد الأول؟

المسرحية من جانب النص لا تذكر في أي جملة لها، مفردة "الضحية" أو مفردة "الجلاد" تترك لنا قراءً ثم مشاهدين، أن نستنتج "الجلاد" على القياس والمعيار الذي نراه مناسباً، بالنسبة لي، في هذا النص، أن الجلاد الوحيد هو الحاكم العسكري الإسرائيلي، وتوابعه "الضابط، الحارس، وغيرهما"، ولكن هل أصبح ذلك المواطن البريء "المهندس مثلاً" أحد توابعه أيضاً؟ المهندس يصرخ "لا يمكن أن يستمر الوضع هكذا" وبالتالي فإنه يقترح التصويت، الطالب من جهته يتساءل التصويت على ماذا؟ فيرد المهندس على الفور "على المهمة المطلوبة منا".

صارت الخيانة والتعاون مع العدو واستجواب الفدائيين – وربما تعذيبهم في خطوة لاحقة مهمة مطلوبة منا؟!

المصرفي يوافق على اقتراح المهندس، الأربعة الباقون صامتون، المهندس يركع قرب الفدائي الجريح، ويستعطفه "نحن لسنا ضدك، وأنت لست ضدنا، ونحن نقدر صمودك وعدم اعترافك، فلا أحد يخون أصدقاءه، ولكن في اللعبة الآن شيئاً آخر. في هذه الغرفة ستة رجال أبرياء ولن يستعيدوا حريتهم إلا إذا تكلمت. الأمر في يدك، مصيرنا بيدك أنت".

وإضافة إلى المهندس، يحاول المصرفي والسائق والفلاح، الضغط أيضاً على الفدائي بمزيد من الاستعطاف والرجاء المذل. ثم بالفداء والتضحية "ستة مصائر أهم من مصير واحد" أليس هو الفدائي الذي يضحي من أجل الآخرين؟! يرفض الفدائي هذا المنطق بهدوء وحب، ويطلب منهم بل يرجوهم أن يفهموه "إن أبديت استعدادي للتعاون مع الحاكم العسكري، سأكون بهذا قد خسرت الموت الذي ينقذ حياتي من العبث والقرف، وإن أردت العيش كما تتصورون، وكما يتصور هذا الحاكم أكون قد جعلت من شهدائنا مسخرة، ومن مبادئنا قميصاً قذراً يسهل خلعه، أرجوكم لا تنتظروا هذا مني".

ومع أن الطبيب يطالب الجميع بالتمهل "فقد نجد حلاً" إلا أن المهندس يندفع بكلام يائس "هذا الرجل يصر على أن يصبح شهيداً ويصر على وعظنا بأن هناك ما يمكن للمرء أن يموت من أجله". والفلاح يواصل شكواه "زوجتي مريضة، وأغنامي ستموت" ويشير إلى الفدائي "هذا المجنون مسؤول عن كل شيء" يردعه الطالب بقوة "لا، إنه بريء مثلنا، لقد تقبل الموت".

في المحصلة يتم التصويت على "المهمة" أربعة مقابل اثنين، المهندس والمصرفي والسائق والفلاح ضد الفدائي والطبيب والطالب معه، وبالتالي لا بد من إجراء الاستجواب، ولا بد من أن يعترف الفدائي بأسماء شركائه يحاول الطالب أن يدفع الفدائي للانتحار، للخروج من هذه الورطة، إلا أن الفدائي يرفض "لن انتحر، سأترك للجلاد عناء القتل، حتى لو كان قتلي مجرد شكليات بالنسبة له"، ولكن الطالب يقول له أن الانتحار المعني لا علاقة له بالجلاد (الحاكم العسكري)، وإنما بهؤلاء الأبرياء "انه يحميك –الانتحار- منا نحن الأبرياء، فأنت لا تضمن كم من الوقت سنبقى أبرياء.

يصر الفدائي على رفض الانتحار، إلا أن أحد الأبرياء يخنقه في الليل، والجميع نيام، يموت الفدائي الجريح خنقاً، ولا نعلم من ارتكب هذه الجريمة، هل هو الطالب الذي يؤيد الانتحار، حتى لا ينكسر هذا الفدائي تحت التعذيب من قبل مواطنيه الأبرياء، ويعترف بأسماء زملائه في العملية الفدائية؟ أنم أنه الطبيب؟ أم أحد الأربعة الذين وقفوا صراحة ضده، المهندس، المصرفي، الفلاح، السائق؟ الصراخ المذعور يدوي في الزنزانة، غير أن الطالب يقول بسخرية وألم "لا داعي للصراخ، لقد نفذت المهمة المطلوبة منا".

لقد قام الأبرياء بتنفيذ ما طلب منهم، سنخرج الآن جمعا ، نحن الآن أحرار ، صكوك الغفران وزعت علينا مقدما، لكنهم لم يخرجوا إلى أي آخر ، فقد رفض الضابط النتيجة التي وصلت إليها مهمتهم ، وطالبهم بالاعتراف على المجرم الحقير الذي خنق الفدائي، وقال لهم: "حسناً، لن تخرجوا من هذا المكان قبل أن تعترفوا"، وتركهم وراءه في الزنزانة، ضائعين ومذعورين، وعيونهم مليئة بالشك والاتهام لبعضهم بعضاً. التراجيديا التي تأسس عليها هذا النص المسرحي تقول لنا (حسب وجهة نظري، أو كما فهمت فصولها) أن البراءة التي تفترض الحياد إزاء الاحتلال الإسرائيلي من جهة، والثورة الفلسطينية "العمل الفدائي" ضد هذا الاحتلال من جهة ثانية، هي براءة مزيفة تماماً، فالمجتمع الفلسطيني كله، بجميع طبقاته وفئاته ومستوياته "غير بريء" بالنسبة للاحتلال، وبالتالي فإنه "محكوم" بهذا الشكل أو ذاك بالمشاركة الفعلية وليس الوجدانية فقط بالثورة، وبالتضحية والفداء، إذا حسبت فئات معينة (ومثلها في النص المصرفي والمهندس والسائق والفلاح) إنها قادرة على البقاء خارج هذه المشاركة، وعلى التشبث بمسوح "البراءة"، فإن الطرف الآخر/ العدو/ الاحتلال، حريص على تكسير هذا الحسبان لصالحه، فهو لا يقبل الحلول الوسط لأنه يعرف أن أي "وسطية" في هذا الشأن تعني انكساره وسقوطه هو، تماماً كما هو الحال بالنسبة للثورة/ الفدائيين. إن أدنى "وسطية" يقبلون بها (كأن يعترف الفدائي الجريح الأسير بأسماء زملائه لأولئك المحتجزين الستة رأفة بهم) تعني على الفور، انهيار مشروعهم الوطني الذي لن يقبل سوا الانكسار الكامل. هل ينعكس هذا النص المسرحي على الواقع الفلسطيني المعاصر، في إشكالية "التسوية السياسية" الراهنة والمتعثرة إلى حد التفجير الدموي العنيف مع إسرائيل الاحتلالية. أعتقد أن انعكاسه واضح، وهو ما يثير الجدل في معاني ومضامين التفاصيل الدقيقة لهذه الإشكالية ذاتها، غير أن الجدل لا بد له من أن ينصب أيضاً على غياب النصوص العربية والفلسطينية المسرحية التي تناقش هذه المسألة الإشكالية، فهل من المعقول أن يضطر المخرجون المسرحيون الفلسطينيون إلى اقتباس نصوص أجنبية دائماً كي "يعرضوا" الواقع الفلسطيني "المتشاكل" على خشبة المسرح.

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 26 كانون1/ديسمبر 2011 10:32
 
...

بيانات الاتصال

رام الله - فلسطين

664

popular.theatre.pal@gmail.com

 5854 298 - 02

5854 298 - 02