4
الكاتب: Administrator
الخميس, 17 تشرين2/نوفمبر 2011 19:41
طباعة

مسرحية "الخوف"... ألم الواقع في انكسار الوعي

جريدة الحياة

17/6/2000

كتب سعيد محمد سعادة:

الخروج عن المألوف العادي، وكسر مفردات الواقع الآلي الرتيب، والدخول إلى عمق الدلالة والإيمائية المفتوحة على آفاق ذات معانٍ شتى، ثم التحليق في سماء الحركة المعبأة بالفعل والتعابير المتمازجة بالانفعالات المتناقضة والأحاسيس الجياشة التي تنقلك عبرها إلى ثيمة القلق برداء الخوف والترقب في آن واحد، كل هذه الأشياء كانت اللغة التي صبّها المخرج فتحي عبد الرحمن في مسرحيته "الخوف" التي عرضت بتاريخ 9/7/2000 ضمن فعاليات مهرجان "ليالي القدس المسرحية الثالثة"، حيث جاءت عبر مشاهد مسرحية صامتة تشي بالجهد والتعب، وتعكس الحرفية المتميزة في أداء الممثلين، وكذلك تبرز وبصدق الرؤية العميقة للواقع بأحداثه وقضاياه المؤلمة ثم الإخراجية ذات المستوى التي لا تنم إلا عن معرفة المخرج بأسرار الصنعة المسرحية وعناصرها كافة.

مسرحية "الخوف" لا تعرض أحداثاً بنمطية فجة، وإنما تعرض وعياً لهذه الأحداث، ولا تكتفي بتعرية الواقع المؤلم للمتلقي في صالة العرض، بل تجاوزته بإحداث صدمات متلاحقة لعقله وقلبه من خلال لوحات حركية راقصة قوامها الجسد، الموسيقى، الإضاءة، الديكور والإكسسوارات المتناغمة فيما بينها، وكذلك لم تقف على الجرح مكتفية بإظهاره، وإنما أخذت تنبش فيه محدثة هزات من الألم كي تدخل به مساحة الوعي في ذهنية المتلقي، لا من باب الشعور الآني أثناء فترة العرض فقط ثم بعد ذلك يذوب ويتلاشى بانتهائه، ولكن دخوله يكون من باب ردة الفعل على هذا الألم بعد انتهاء المسرحية والخروج إلى الحياة والاحتكاك بوقائعها وقضاياها كي يتم نزع هذا الألم من جسد المجتمع من خلال اتخاذ آلية تطبيق لعملية التغيير والإصلاح على أرض الواقع المريض.

إذن، جاءت المسرحية في مشاهدها عبارة عن لوحات تجسد البشر الذين يولدون بالأغلال، ثم الزواج المتفسخ قبل أن يتنسم هواء المعايشة بين الزوجين، ومنظر الفتيات اللواتي متن وهن يجاهدن من أجل الحصول على لقمة العيش، وكذلك شاهدنا الموت بمشهد فنتازي يثير الفزع ويبعث على الخوف والقلق، مسيطراً على الوجدان ونافياً للإرادة والوعي اللذين هما (الإرادة والوعي) محط أنظار الانقلاب وتبديل الواقع السلبي والخروج من حالة الخنوع والذل إلى حالة الرفض والثورة من أجل إثبات الأفضل وإيجاد الأحسن للأحياء في منظومة الحياة والمجتمع.

مسرحية "الخوف" خرجت عن المألوف وكسرت نمطية المسرح العادي في مشاهدها الصامتة، والصاخبة بلغة الحركة الفنية المتراقصة من أجل تصوير أحداث الواقع وقضاياه تصويراً يرقى إلى مستوى الفن والإبداع الحقيقي، فهي كما قال عنها مخرجها فتحي عبد الرحمن: "كانت التجربة الأصعب علينا، ولعل فضيلة التجريب في الأصعب منحتنا متعة الاكتشاف وإنفاق الجهد الذهني والجسدي بحثاً عن فضاء أرحب للوصول إلى المسرح الذي نحلم والحياة بلا خوف".

بقي أن نشير في هذه الكلمة إلى أن مسرحية "الخوف" هي المسرحية الصامتة الثانية للمخرج فتحي عبد الرحمن في ربوع الوطن بعد مسرحية "بحلم في بكرة".

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 26 كانون1/ديسمبر 2011 10:43