3
الكاتب: Administrator
الخميس, 17 تشرين2/نوفمبر 2011 19:42
طباعة

مسرحية تجريبية للمخرج فتحي عبد الرحمن

"الخوف".. غوص في داخل الإنسان المعاصر

جريدة الأيام

السبت 29/7/2000

بقلم تحسين يقين:

إذا كان الفن ومنه المسرح وسيلة التعبير عن أحاسيس وأفكار غير عادية، حيث تصبح اللغة العادية غير قادرة على نقل الانفعال القلبي والذهني، فإن الفن المسرحي على وجه الخصوص يصبح ذا ضرورة إنسانية، من أجل ذلك ظهر فن التمثيل وتطور وأصبحت له تقاليده ونظرياته وأساليبه التي انسجمت مع المكان والزمان. لكن الفن المسرحي كغيره من الفنون يتجاوز نفسه، بل يتحدى أشكاله ولغته، باحثاً عن غير العادي في هذا الفن، باعتبار أن العادي الفني لا يصبح قادراً على نقل الإحساس الفكري والشعوري، من هنا يبحث المسرحيون عن أسلوب مسرحي غير تقليدي وغير مستهلك.

لذلك لم يكن غريباً في حالتنا الفلسطينية المعاصرة أن نرى مسرحية تبحث عن شكلها الخاص غير المألوف، هكذا فعل المخرج فتحي عبد الرحمن في مسرحية الخوف، فهو كما نظن تأثر بوعي فكري وإحساس عميق مرهف بما يحدث للإنسان في هذا العصر، ومنه الإنسان الفلسطيني. وحين عمد إلى تفريغ ذلك في المسرح، وجد أن فكرة المسرحية تستلزم شكلاً آخر، وهو العالم بتاريخ تطور الفن المسرحي وقواعده الكلاسيكية والحديثة. ولنا كمشاهدين، وكمواطنين وكبشر، أن ننتصر للفكرة ورسالة العمل الفني، التي خلقت بقوة شكلها ولغتها، ما يعطيها الشرعية في القوة الفكرية ونبل الرسالة.

هكذا يحرص عبد الرحمن في "الخوف" على إثارة الفكر بقوة، وتوصيل الإحساس بعيداً عن التكلف، من أجل ذلك كان تجريبه المسرحي رائداً بحق، آتياً عن وعي فني وانتماء للإنسان.

أما مهمة الفنان المخرج هنا فهي صعبة، تحمل في طياتها التحدي والمغامرة، ولا نبالغ إذا قلنا أن عبد الرحمن كان فدائياً حين اختار شكلاً معاصراً تجريبياً لفكرة نصه الفكرية برسالتها التنويرية والتطهيرية والتمرد على أشكال الطغيان في كل مكان وزمان، تلك الرسالة التي تنتصر لكل ماهر أصيل ونبيل في حياتنا.

إن "الخوف" المشروع والمبرر أخلاقياً هو خوف آخر يختلف عن الخوف الموضوعي داخل المسرحية، والمتمثل بخوف الإنسان داخل مكانه ولأسباب متعددة، لذلك أزعم أن الخوف "الخوف" هو على الإنسان، حتى لا يضيع في ظل ظروف ما يحياها، إنه خوف على الحق والخير والجمال، على الحرية والحب والسعادة والصدق والحياة، حتى لا يصبح الإنسان ميتاً وهو حي يرزق يأكل ويشرب ويمشي في الطرقات.

هل هو كما شاهدنا، خوف الفتاة والشباب والأزواج والفقراء؟ هل خوف من الموت أم خوف من الناس؟ هل خوف من الغريب والجديد والسلوكيات والبشر؟ وماذا حدث لنا، إذاً، حتى أصبحنا كذلك؟ وما هو دورنا، ومستقبلنا؟ ثم أين نحن من كل ذلك؟

قدمت مسرحية الخوف التي أنتجتها فرقة المسرح الشعبي عدة لوحات متكاملة داخل كل لوحة على حدة، وما بين بعضها بعضاً، ولك أن تذهب مع تداعيات اسم المسرحية، فتبحث عن أشكال الخوف، وتعامل الشخصيات معه، وأسلوب تقديمه تمثيلاً وإخراجا. كما لك أن يذهب فكرك بتداعيات فكرية بصرية حين ترى بوستر المسرحية الذي صممه الفنان محمد صالح إنسانا منكمشاً متأملاً في نوع من الاغتراب والخوف لعالم المدينة متمثلاً بالأبنية العالية، وربما تحاول أن تحمل المدينة رمزية ما للعصر بشكل عام، أو للمظاهر شبه المدينية المعوجة المشوهة لوضع الإنسان في المدينة العربية: ذلك أن ترى كيف قزمت المدينة المشوهة الإنسان العربي (والفلسطيني)، حين ترى جلسة ذلك الإنسان في البوستر وهو ينظر لمبان عالية معوجة هل هي دهشة أم خوف أم تأمل؟ رغم تلك الأسئلة، سيصيح الإنسان في نهاية العرض في داخله ما هذا، ماذا حدث لنا؟ وكيف سأخلص بجلدي وعقلي أنا وأهلي وأصدقائي وأهل بلدي وشعبي من كل هذا القلق والاضطهاد؟

وبعض ما يقلقنا كما ظهر في المسرحية، يعود على تقاليد اجتماعية متخلفة، وبعضها يعود إلى أسباب اقتصادية عانينا منها قبل أوسلو وبعده، وبعضه يقلقنا ويقلق الآخرين في كل زمان ومكان ألا وهو الخوف من الموت. لكن أكثر قلقنا وخوفنا هو ألا نكون كإحدى الشخصيات في المشهد الأخير والتي أفرزتها مرحلة الزمن العربي الرديء في ظل عولمة رديئة أيضاً وهزيمة أمام الآخر في الحرب والتكنولوجيا والحضارة.

في الحديث عن "الخوف" كمسرحية تجريبية، لا نجد أنفسنا مضطرين لاستخدام أدوات النقد المسرحي العادي التقليدي، والسبب أن مسرح التجريب هو أصلاً تمرد على القواعد الأساسية الكلاسيكية وباقي القوانين المسرحية. سواء أكان ذلك في التعامل مع الفكرة، أم التمثيل والإخراج، أم الموسيقى والمؤثرات والديكور والملابس وما إلى ذلك من أدوات يقوم عليها المسرح، فالمسرحية هنا لا تطرق لغة الخطاب المباشر ولا غير المباشر، بل تميل إلى خلق تداعيات فكرية شعورية عند المشاهد، الذي يجد نفسه حراً في تذوق الفن المسرحي والتفاعل مع رسالته الفكرية والإنسانية والفنية كذلك.

إذاً، لا تتعب نفسك كمشاهد أن تنتظر سرداً لقصة، أو استماعاً لحوار أو كلمات، بل أنت أمام مشاهد يحل فيها الإيماء والتمثيل والصامت مكان الكلام، وربما تكتفي بمشهد واحد وترحل، أو تجد نفسك باحثاً عن ارتباط ما بين المشاهد، ورغم بحثك هذا (المشروع)، ورغم أنك ليس ضرورياً أن تصل لكل عوامل الارتباط الموضوعية والدرامية، إلا أنك تصل إلى أفكار المسرحية ورسالتها عن طريق استفزاز ملكاتك الشعورية والإنسانية، يتحرك الكامن في اللاشعور، والكامن في تفاعلك مع ما يحدث حولك ابتداءً من دائرة نفسك وأسرتك ومجتمعك حتى آخر هذا الفضاء الإنساني الواسع. ستصل رسالة العرض بلغة غير عادية، عندها لن تكره المسرحية في عمقها الفني والفكري، وسوداويتها، بل ستجد أن الواقع الاغترابي الأسود، والفانتازيا السوداء هي ما تحتاجه كي تصحو من هذه الآلام، أنها العملية الجراحية التي يقوم بها الطبيب.

ميلاد

تعتمد المسرحية التجريبية "الخوف" على الإيماء والتمثيل الصامت من خلال التركيز على عنصر الرقص. في مشهد الولادة، تتحرك النسوة في حركة قلقة بثياب سوداء يترقبن الإعلان عن الولادة، وترى التعبير الحركي عن فرحة المولود والاحتفاء به، ثم يكتشف الأب (محمد حمدان) أن المولودة أنثى فينكمش في دائرة حول الطفلة، ويرمين ما بأيديهن من أقمشة بيضاء على الطفلة كنوع من البراءة والتضامن. على مستوى الإيقاع الحركي فقد كان منسجماً سواء في حركة الراقصات الست الخارجية أم في تفاصيل حركة الرؤوس والوجوه والأيدي. تكبر الطفلة، وتصبح فتاة، حيث نرى واقعها الاجتماعي في ظل سيطرة الذكور، ومن هذا المشهد بالذات يمكن للمشاهد تلمس الإبداع والوصول إلى قمة النشوة الفنية، حيث نرى المشهد ككل، ونرى لوحة جزيئية متكاملة داخله على النحو التالي: الإطار العام: فتاة ترقص في المنتصف محتلة عنصر السيادة. في الركن الأيمن، تتجمع النسوة في جلسة تقليدية. تستنكر "الجدة" فعلة الفتاة، كذلك يفعل الوالد، وتُلف بعباءة ويطلب منها القيام بأعمال البيت. أما اللوحة الجزيئية الإبداعية فتمثلت في التعبير بالرقص: تنهض الفتاة وكأنها تنتفض من تحت الركام، وتبدأ تعبيرها الداخلي من خلال استخدام الجسد، وقد جسدت (ريم زياد) الشعور الانفعالي الانتفاضي والطموح الإنساني باستخدام أعضاء الجسد، وتفاصيلها، مع خيال إبداعي في التآلف مع الأرض والدوران وحركة الرأس وعدة تكوينات جسدية ظهرت كلغة جسدية متحدية ومبرزة لجمال الروح وقولها. ولا بد أن تعاون مخرج ومحترف وضع الإطار العام للرقصة، مع خبير رقص (نيكولاس رو) أنتج لنا تلك اللوحة المتكاملة، التي بهرت الجمهور وسحرته، وأرتنا الإمكانيات الكبيرة في روح الإنسان وجسده إذا أطلقها، وهذا نقيض الخوف الذي يكبل الروح والجسد. وهنا ترى محاولة فتاتين تجلسان مع النسوة، فيعنفن من خلال إشارتهن ونظراتهن، ثم تقومان عن الأرض في حركات محاكاة لها، مع إعجاب بهذا وحب. يدخل رجل ينهرهم (محمد حمدان)، وتقمع الفتاة من قبل أبيها ورجال العائلة، وترى تضامن الفتاتين معها، لكن ما باليد حيلة، لكن ما أن تبدأ الفتاة بعملية الكنس كما تؤمر، حتى تنتفض مرة أخرى مستخدمة حركة الكتفين حيث تسقط العباءة (النمط الاجتماعي) ويظهر تمرد الفتاة وثورتها ومقاومتها بل وسخريتها من كل هذا التخلف.

في هذا المشهد أبدت سميرة الناطور في دور المرأة العربية (أو العربية) في قسوتها وحركاتها التعبيرية الجافة، وكان لشكل الملابس أيضاً أثر حسن في اختفاء مستوى بصري على الشخصية النسوية هنا.

زواج

صورة لرتابة الحياة الزوجية، ومللها، ثمة تعبير حركي أقنعنا بهذا الملل، بل وحلل لنا علاقة الزوجين في البيت، الطعام، الشراب، الجفاء، ومحاولة الزوجة الاقتراب من زوجها، وكيف تستخدم أساليبها للوصول، وكان ذلك من خلال حركات حول الطاولة، ومن إحساس الرجل بهذا الاستجداء، يتكلف معها الحب، ثم في النهاية لا يصلان إلى المتعة الروحية بينهما. وقد كان عرض المسرحية في القدس في غاية الإبداع في التعبير عن العلاقة الجسدية باستخدام خيال الجسد لتوصيل الفكرة وفعل العلاقة بأسلوب راق بعيداً عن الابتذال.

ضياع

لوحة تحاكي عن طريق استخدام الرقص التعبيري حالة الفراغ والضياع التي يعيشها جزء عريض من الشباب، حيث نرى حركات تدل على نفسية الشاب التائه، المقلد للآخرين، الخائف، القلق، وقد برز ذلك بشكل إبداعي في التعامل مع الجسد، خصوصاً في الدوران حول الكراسي والتآلف القلق مع الأرض. في هذا المشهد، نجحت فكرة التعبير عن حالة إنسانية، وزاد من التعبير الفني التوفيق في اختيار موسيقى بإيقاع سريع يحاكي الحركات ويعبر عن الشباب وعلاقتهم بالعصر، من حيث الفن والموسيقى والملابس، والتكنولوجيا، والحال والمال والعمل والنساء. إن حالة من الخواء والفراغ والخوف، تدفعنا جميعاً إلى تحمل المسؤولية تجاههم، كما تدفع الشباب أيضاً إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه أنفسهم ومعرفة موقعهم ودورهم في الحياة.

تحليل نفسي

في لوحة، البحث عن آخر، الزوجان يبحثان كل عن آخر غيره (غيرها) بسبب الملل في الحياة الزوجية، ثم يكتشفان خيانة كل منهما للآخر، تلك الخيانة التي كان مبررها الملل وحب التغيير، يقف الزوج مصطفى أبو هنود والزوجة (في المطعم، الملهى) ينظر كل منهما للشريك الجديد، ويرى ما فيه، ماذا يملك الآخر ما لا يملكه هو، ثم يكتشفان أن الوضع الجديد هو مثل القديم، وأن الرجال والنساء القلقين متشابهون، حيث أن العلاقة الجديدة هي علاقة وهم، يكتشف كل منهما هشاشتها وخارجيتها وسرعة زوالها، هل هي دعوة إلى تفعيل الحياة العاطفية الإنسانية بين الأزواج وضرورة المشاركة بينهم، والبحث عن أسباب لبعث الحياة في تلك العلاقة من أجل حمايتها وبالتالي حماية ترابط المجتمع؟ لقد كان للتعابير الداخلية الصادقة أثرها، انسجاماً مع الفكرة النبيلة، وكمعنى وصل إلى المشاهد العادي، لكن كنا نحس بضرورة بذل المزيد من الحيوية والخيال كما في اللوحات الأخرى، وهنا نشير إلى اهتمام المخرج بشكل خاص باللغة الداخلية وملامح الوجوه حيث يتكامل المعنى والتعبير معاً.

سوداوية الواقع

من خلال ديكور إبداعي، يحاكي الركام والنفايات، في رمزية واضحة للواقع الاجتماعي الاقتصادي، يستنهض المخرج خيال المشاهد وبصره ثم إحساسه وتضامنه ونفوره، وتحريكه من الداخل. تمتد أياد تبحث عن طعام ما، كما ترى حركة المجموع تحت هذا الديكور صاعدة في جانب وهابطة في آخر كدلالة على حالة الشعور الانتفاضي للفقراء والعمال والمحتاجين، وتصوير مساعدة الضعيف للأضعف ويحنو عليه، والحقيقة أن هذه اللوحة مميزة بصرياً وحركياً وإنسانيا. تهز المشاهد وتريه الجانب المعتم في حياة جزء من الشعب. لقد أبدع الممثلون في التعبير عن الجوع والارتباك والتعب وحالة الإنهاك الجسدي والإرهاق الروحي. إن وجود ذلك الغطاء، وما خلفه من جو بصري عمق الإحساس بالحاجة والفقر وما إلى ذلك من مرادفات. إن مكونات الغطاء هي أكياس صغيرة وأشياء من ضمن النفايات، وكأـننا أمام واقع حي، أما الاستخدام بهذا الشكل القاسي في البحث عن طعام بين النفايات فجاء لإثارة المشاهد وهزه من الداخل لينتفض هو أولاً، ثم كي يتضامن مع الفئات المسحوقة إنسانيا. وقد هيأ المخرج في هذه اللوحة لما يعدها حين جاء صاحب العمل المستغل، وهنا نشيد أيضاً بالقدرة الإخراجية في تدافع المسحوقين والمسحوقات للعمل، وتنافسهم. كما نرى مستويات مختلفة في الشعور، واختيار صاحب العمل للعاملات، حسب قدراتهن، ولمسنا مدى الحاجة للعمل، سواء في نظرات الرضى عند سميرة الناطور أو إظهار المهارة عند هديل كركر، أو الكبرياء والعناد عند بيان شبيب. أما الإبداع التجريبي فقد تجلى في الحركات الإيمائية المعبرة عن العمل، باستخدام الأصابع والأيدي بشكل آلي. وتتابع الإبداع في كلية العمل، الجلوس، تبادل الأدوار، من خلال تغيير مواقع الجلوس على الكراسي بأسلوب مدهش، حيث التعبير عن أسلوب الإنتاج الذي يجعل من الفتاة العاملة مجرد آلة، وقد أضفى وجود الاسطوانات الكبيرة في الخلفية إيحاء العمل في (وضع ولاعات، قداحات) في إحالة ذهنية لحادثة الخليل المشهورة التي ذهبت ضحيتها عاملات بريئات أشبه بموت مجاني. وقد عبرت الفتيات الممثلات عن حالة الموت في الحريق بأسلوب مؤثر، حيث التقاء الكتل الجسدية وحالة الخوف ولقاء الموت. واستطاع المخرج خلق حالة درامية مميزة حين أرانا ثلاث عاملات يسرحن أثناء العمل، علمنا في مشهد الحلم فيما بعد أن واحدة منهن مخطوبة، والأخرى متزوجة (من تصفحها الألبوم) والثالثة سرحت في طفولتها.. حيث البراءة واللاهموم.

فانتازيا الموت

قد تكون هذه اللوحة محببة لكاتب هذه السطور، كونها أعادته إلى رسالة الغفران لأبي العلاء، وإلى الكوميديا الإلهية لدانتي، وإلى فلم سويسري عرض قبل سنتين في مركز الفن الشعبي نسيت اسمه (...) حيث التعامل في "الخوف" كان فانتازياً وكاريكاتورياً، في آن واحد، لميت بكنفه، يقف ببياضه أمام حفار القبور، دلالة مع ملائكة الموت، والدفع مقابل الدفن ويمكن للمشاهد أن يحس بأن الموت ليس شيئاً سيئاً جداً، ويمكن النظر من زاوية دفن الموت، ودفن الخوف منه، لإعطاء الإنسان القدرة على الحياة والإبداع فيها. وفي ظل الحركات الإيمائية المدروسة بعناية، استطاع المخرج خلق حالة من الخيال عند المشاهد، وامتصاص خوفه هو الآخر من فكرة الموت الوجودية. الحقيقة أن طاقم المشهد أبدعوا في التمثيل مصطفى أبو هنود في دور حفار القبور (الملابس والمكياج كانت معبرة ومعمقة للمشهد)، ومعمر سعادة في دور الميت، وهديل كركر وبيان شبيب في دور الملائكة. هناك تفاصيل ذكية في البحث عن اسم الميت، ومصيره... وقد كان للعربة المزدانة بالورود وأجنحة الملائكة والموسيقى الحيوية وشواهد القبور وملابس حفار القبور، كل تلك العناصر أدخلت المشاهد في عالم آخر ولو على سبيل الفانتازيا، وقد استفاد المخرج من نص للكاتب زكريا محمد "ملك الموت" في هذه اللوحة الإبداعية.

أحياء أموات

اللوحة الأخيرة هي تتويج وجداني وفكري لكل اللوحات السابقة، وهي السهم الأخير، أو قل الضربة القاضية للمخرج في تصوير الواقع الأسود، من خلال شخصيات أشبه بالميتة، رغم وجودها، السيدة التي غربت شمسها، المحارب القديم، الفتاة المعقدة، المريض أو المدمن على المخدرات... يدخل حفار القبور بعد حصوله على المال، ليمتع نفسه الشهوانية تجاه الشراب والنساء، وهنا تبدأ حالة الاكتشاف، والفزع من ذلك الاكتشاف. وقد أقنعنا مصطفى أبو هنود بحالات متعددة أهمها الفزع، في حين كانت حركة وشكل عامل (البار أو المطعم) التي جسدها أحمد حمادة موحية ومنسجمة مع هذا الموات وهو يدور بالكؤوس على الزبائن. وقد تقودك اللوحة إلى تحليل اجتماعي سياسي دون خطابية، فالنظر في المجتمع والنظر في المشهد يدفعك إلى البحث عن شبيهي الشخصيات وظروف وصولهم إلى هذا الوضع الأسود.

الموسيقى والخيط الدرامي

وفق المخرج في اختيار معظم الموسيقى، سواء في تلك المعبرة عن قلق الولادة، أو تمرد الفتاة، أو الحياة الزوجية الرتيبة أو مشهد الموت والملائكة... لكننا وأمام عمل تجريبي مميز نرى أن هناك ضرورة فنية لوجود تأليف موسيقي خاص بالمسرحية، إلا أن الإمكانيات المادية ربما وقفت حجر عثرة أمام طاقم العمل، حيث اعتمدوا في الإنتاج على حسابهم الخاص، وهذا بالطبع ليس ذنب المشاهد وليست مسؤوليته، إلا أننا لا نستطيع تحميل الفرقة فوق طاقتها، فالأعمال التي كانت ضمن إمكانياتها نفذتها بمهارة وحب وصدق، على أية حال، كان البديل في (اختيار الموسيقى) مؤدياً الغرض بشكل مقبول وجيد.

أما بخصوص الخط الدرامي، فكما أسلفنا، نحن أمام مسرحية تجريبية لها قواعد وأصول تختلف عن المسرح التقليدي. رغم ذلك، فإننا نزعم أن الحظ الدرامي موجود، بحيث كان يخف أحياناً كما بين لوحة الضياع والخيانة الزوجية، إلا أنه قوي داخل الولادة وتمرد الفتاة، وكذلك الحال بين مشهد الجوع والعمل، ثم الموت.. وذهاب حفار القبور إلى البار..، ويمكن في حالة المسرح التجريبي كحالة مفتوحة للإبداع أن ينظر للموضوع كمعين للخط الدرامي. وهذا متوفر في خوف "الخوف" وما فيها من عناصر تتعلق بالبعد الاجتماعي والوجودي للإنسان.

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 26 كانون1/ديسمبر 2011 10:41