2
الكاتب: Administrator
الخميس, 17 تشرين2/نوفمبر 2011 19:43
طباعة

مسرحية "الخوف".. جديد المخرج فتحي عبد الرحمن

خطى تصاعدية للمسرح الفلسطيني ومجابهة لمصانع الرعب والاستبداد

صحيفة القدس

11/8/2000

فراس عبيد

يواصل المسرح الفلسطيني سيره بخطى مجددة غير هائبة إلى موقع متقدم وحقيقي بين مسارح العرب، ويلاحظ استمرار الانتعاشة المسرحية التي ظهرت بعد نشوء سلطة سياسية وطنية لشعبنا في أوائل التسعينات.. في هذا الطريق الطيب لمسرحنا كانت عروض المسرحية الجديدة (الخوف) في تموز وآب 2000 في رام الله على مسرح بلديتها للمخرج الفلسطيني ومؤلف السيناريو القدير فتحي عبد الرحمن ومن تمثيل: بيان شبيب، ساندرا ماضي، ريم زياد، معمر سعادة، أحمد حمادة، خالد جمال، مصطفى أبو هنود، وغيرهم وبمشاركة مصمم الرقصات العالمي نيكولاس رو...

تندرج مسرحية (الخوف) في تصنيف المسرح الصامت الذي يعتمد كل أنواع التعبير غير الكلامي مثل الأفعال الصامتة والرقص وإيماءات الوجه وإشارات الجسد واستخدام الأدوات وهو فن ليس بالسهل، وإذا كان "صمت" هذه المسرحية سبباً من أسباب نجاحها فإنه ليس السبب الوحيد ولا يمكنه أن يكون كذلك، ففي هذه المسرحية الصامتة كان سر النجاح هو تماسك مضمون المسرحية وتفوق رسالتها (شيفرتها)، وهو التماسك والتفوق المفسر لنجاح أي عمل إبداعي عموماً، لقد نجح هذا العمل المسرحي في إخراج كم هائل من التعبير البشري الموجود داخل الممثلين إلى المتلقين (الجمهور) عبر حركات وتعبيرات (وسائط) صامتة هي بلا شك مثار إعجاب بما فرضته من قوة حضور ودلالة فكان التعبير أو الحركة أو الإيماءة.. هو الوجه الآخر المطابق لنظيره المنطوق بل المتفوق عليه لأنه ارتكز إلى ما هو أصل إلى الأصعب والأكثر حقيقة وهو الجسد مستودع كل هذي الروح الإنسانية وصخبها، إذ بدت الحقيقة المستخرجة من الجسد والمرتكزة عليه لغة تواصل وتعبير وتوصيل أقوى من لغة البشر المنطوقة التي تحتمل جداً الخطأ والتأويل.. إلا أن هذا النجاح الصامت مرتبط بل ملتحم بنجاح المحتوى الموضوعي الإبداعي الذي يعبر عنه والذي يستوعبه المتلقي (الجمهور) بعقله المحلل... فما (الخوف)؟؟

إن الخوف في مسرحية فتحي عبد الرحمن خوف ذو شجون! فهو ناجم عن الاستبداد الشامل في بيئة الشرق العربي، وناجم عن وعي ذاتي متخلف، وناجم عن تعقد الوضع الإنساني في العالم..وهو خوف بشع الصورة إن في المسرحية وأن في الواقع غذ معناه الأول هو انسحاق حرية الإنسان وحركته الطبيعية نحو أشواقه وآماله – هكذا تتركب المسرحية من بضعة مشاهد اجتماعية غير ظاهرياً، مشهد الحياة الزوجية، ومشهد المولود، ومشهد المصنع، ومشهد الدفن، ومشهد الحانة... وفيها جميعاً كان الإنسان، العربي، الفلسطيني، متألماً محطماً حزيناً ضائعاً مستبعداً، ليس من إسرائيل، بل من منظومة القيم المجتمعية الذاتية! فالرجل يلغي المرأة، والمجتمع الموجه (القيم والمستويات القيادية) تلغي الاثنين معاً الرجل والمرأة فتظل المرأة مطمحاً ومشتهى لا يمكن الوصول إليه ببساطة كما لا تستطيع أن تكون ذاتها هي، ويرزح الرجل في أغلال قيم ونسق اجتماعي لا يعينه أحد على تغييره أو تعديله فتستمر معاناته دون أن يدري أنه هو ونظامه الاجتماعي المسؤولان عن تردي الحياة ووضع الإنسان! وفي مشاهد (الخوف) كانت المعاناة الكبيرة تلقي ثقلها على المشاهد فتؤزمه وترهقه وتحزنه ومن ناحية أخرى تبدع حلولاً تغييرية وثورية، وهذه سمة أساسية لهذه المسرحية، دون أن يشعر المشاهد أو يظن أن الأزمة قد فرجت، بل على العكس... فالمرأة التي تثور على زوجها وتمزق الصحيفة التي يقرأها تتعرف إلى رجل آخر لتكتشف أنه نسخة أخرى للرجل الأول، وامرأة أخرى يمنعونها أن ترقص فيقيدونها لكنها تستمر بالرقص وهي مقيدة في مشهد مؤثر، وعاملات مصنع الولاعات يحترقن من أجل لقمة العيش وتتحول أجسادهن إلى رماد – في إشارة إلى حادثة الخليل القريبة، والميت الذاهب إلى المقبرة يفاجأ من قيم المقبرة الذي يقول له بالحرف: ما في دفع ما في دفن، فيضطر الميت للانتظار طويلاً ولم يساعده في آخر المطاف غير ملاكين أشفقا عليه، وشبابنا الهائمون في الشوارع الجائعون إلى النساء دون أن يجد لهم المجتمع حلاً أو يروي ظمأهم للجسد في لقطات مؤثرة قوامها شباب مفعم بالحيوية تصطدم حيويته وطاقته بالفراغ والصمت! أما المشهد الأخير الذي يمكن وصفه بالفلسطيني والعالمي معاً فهو مشهد الإنسان وهو يئن من المخدرات والحرب والطبقية والفراغ والنفاق الاجتماعي وزوال القيم الإنسانية وهو المشهد الذي تنتهي المسرحية باستمراره...

لقد أنهك الخوف مجتمعنا، إنه خوف من كل شيء ومن كل شخص ومن كل مؤسسة ومن كل سلطة، ولا يزال الخوف من الاستبداد هو السيد الذي يتسيد كل حقائق حياتنا الاجتماعية بدءاً من مؤسسة الأسرة ومؤسسة التأويل الراهن للدين والمعنى الحياتي ووصولاً إلى المؤسسة الصحفية والمؤسسة الحزبية والمؤسسة السلطوية السياسية... ولو اكتفى السيد الخوف بهذه المواقع لهان الأمر، لكنه يتجاوزها إلى موقع أخطر هو موقع الشعور اللاواعي فيكون أن يقمع الإنسان نفسه بنفسه من خلال السلوك الخائف المرعوب، فلا يمكنه أن يرى ذاته ويسير معها نحو طموحاته ورغباته، ومعنى ذلك أن حياته لم تعد ملكه فهل صحيح ما يقال عن انتهاء عصر العبيد؟؟

لك كل هذا الخوف! تصرخ مسرحية (الخوف) وتمضي في أعماق من شاهدوها.. وما الذي سيخسره العبد إن ثار على عبوديته وحاول امتلاك إنسانيته ومصيره وحريته، أكرر حريته!

إن حبكة المسرحية غير التقليدية، وتنوع مشاهدها، وترابطها بمنظومة إبداعية حديثة (تجريبية) تجعلنا نثني على هذا العمل ونشد على يدي مخرجه والمشاركين فيه لعمل مزيد من الأعمال التي تتوجه إلى منظومتنا الاجتماعية والفكرية بالصدم والمواجهة والإدانة والمطالبة بالتغيير وهي الفكرة التي أبدعت في تمثيلها ريم زياد في مشهد ثورة المرأة وديمومة رقصها وهي مكبلة.. وختاماً فإن التجريب في مسرحية (الخوف) أي الشكل الذي قدم به المضمون وعلاقات المضمون ببعضها، تجريب ناجح ومبدع، وهما شرطان عامان للتجريب، كما أن تجريب عبد الرحمن في (الخوف) كان له وقع مميز على المشاهدين تفاعلاً وتفكراً ودهشة مما يؤيد بل ويؤكد قوة النماذج الحديثة (التجريبية) التي تنبع أساساً من تفكك حياة الإنسان المعاصر وتفكك وعيه وسعادته وقدره بارتهانه إلى آلاف مصانع الرعب والاستبداد.

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 26 كانون1/ديسمبر 2011 10:38