1
الكاتب: Administrator
الخميس, 17 تشرين2/نوفمبر 2011 19:45
طباعة

قلق وجودي لدى الشخوص

مسرحية "الخوف"..كسر لدوائر القمع باستخدام لغة الجسد

اليوم الثامن، العدد 1653، السنة الخامسة

الخميس 27/7/2000

كتب ياسر جوابرة:

المشهد قبل الأخير: "تظهر مجموعة من الفتيات العاملات في رقصة الموت الأخيرة... مناجاة وصعود، والأبصار شاخصة إلى السماء... حوار الأجساد الصاخب مع الموت... الكتل البشرية المتلاحمة تحترق.. تموت وتصرخ بصمت.. وتتفحم بصمت.. وتطير الأرواح إلى السماء.. وكل شيء يحدث بصمت رهيب"، الوجوم والقلق يسيطر على وجوه الحضور.. صراخ غير مسموع في دواخل النفس البشرية.. ويستمر مسلسل الموت وتتسع دوائر الخوف...

طرق عرض مسرحية "الخوف" أول من أمس، وما زال يطرق، جدران خزان الصمت، عله يحرك النفوس نحو الثورة.. الثورة على حالة الهزيمة والانكسار التي أصابت العقل العربي نتيجة التقوقع في صوامع التقاليد والموروثات البالية، محاولاً بعث الحياة في أجساد الموتى "الموت هنا ليس موتاً طبيعياً، وإنما الموت على المستوى الرمزي".

وتقوم فكرة المسرحية، وهي من سيناريو وإخراج فتحي عبد الرحمن، ومن تمثيل فرقة المسرح الشعبي، على دوائر الخوف التي تحيط بالإنسان منذ ولادته، ومسألة الحرية والكرامة بالإضافة إلى نقد للقيود والقيم البالية التي تعيق النشاط الإنساني، وإحدى هذه الدوائر في المجتمع العربي كانت "القمع" مرتكزاً على نموذج المرأة لحظة ولادتها والتي تقع في غالب الأحيان "ضحية لقيود المجتمع والقوانين التي تحاصر الإبداع الإنساني".

والفكرة الثانية ترتكز على بحث الإنسان الدائم وراء السعادة والقلق الدائم في العلاقات الإنسانية التي تتحكم فيها الأهواء والأمزجة والطموح والمصلحة الفردية.

واجتمع على خشبة مسرح بلدية رام الله 12 ممثلاً من الوجوه الشابة في عرض إيمائي اتسم بالجدية وإثارة العديد من الأسئلة المفتوحة من خلال رقصات وإيماءات محملة بإيحاءات مكثفة دون وجود ترابط على مستوى النص المسرحي، فالمشاهد مفككة تقريباً، وكذلك الحال بالنسبة للفضاءات المسرحية، لكن أفكاراً كثيرة عملت على الربط بين مكونات العمل الدرامي المسرحي.

حوار بلغة الجسد

ويعد هذا النمط من فلسفة المسرح التجريبي القائم على التجديد في الأداء والخطاب المسرحي الذي يعطي بالضرورة صورة متكاملة للمشاهد، ويشعره بوجود فكرة محملة بشحنات غنية. وفي معظم مشاهد العرض لم يستمع الجمهور إلى حوار مسموع، وإن كانت فكرة المسرح أصلاً تقوم على الحوار بين الشخوص بالترابط مع مكونات العمل الدرامي بشكل عام.. إلا أن الحوار كان مرتكزاً على لغة الجسد وتعبيرات الوجوه مبيناً الصراع الإنساني في مختلف الطقوس والعادات البشرية، بالإضافة إلى بروز فكرة "القلق الوجودي لدى الشخوص"، وبالتالي يمكن القول إن حوارية الأجساد والتفاعل الإنساني قد تؤدي الرسالة المقصودة التي بني عليها العمل المسرحي.

وفي أحد المشاهد، يلحظ الحضور علامات غضب الرجل والعنف "لمجرد اكتشاف مولوده المنتظر أنثى" مع أن تلك الصورة النمطية "المستهلكة" أخذت بالتلاشي في أوساط المجتمع العربي في تحميل المرأة المسؤولية عن هوية المولود. في هذا المشهد، تظهر المرأة في لحظة انكسار داخلي ينعكس تلقائياً على إيماءات وجهها وحركات جسدها "المذعنة لإرادة الرجل الشرقي".. والنساء المرافقات يظهرن بلباس أسود يلف أجسادهن، قد يكون ذلك اللون رمزاً دلالياً في سوداوية المشهد الذي ساهمت في إبرازه عوامل الإضاءة والصوت "المتواضعة"، أو أنه يشكل دلالة على ستار الظلمة التي يقوقع في داخله العقل العربي.

ويستمر المشهد في إبراز حالة انهزام المرأة التي تحاول جاهدة تحدي هيمنة الرجل.. الهيمنة هنا أخذت شكلاً تعبيرياً آخر تمثل في محاولة لفها "سترها" بقطعة قماش لإظهار "سطوته" وترافق ذلك مع الإيقاعات الصوتية السريعة وتعدد زوايا الإضاءة.

مشهد آخر: ظلام دامس.. تمتمات غير مفهومة.. عراك تحت أكياس القمامة.. تظهر مجموعة من الناس المدفونة تحت الأكياس تتضور جوعاً وألماً.. علامات الخوف من المصير تسيطر على حركات الممثلين.. صوت خافت ما يلبث أن يأخذ بالارتفاع بشكل جماعي "نحن نملٌ في مملكة النمل.. ندوس أو نداس بالأقدام". ويظل هذا الصوت يتردد في بهو المسرح "نحن نمل... بالأقدام..." في إشارة إلى الجموع البشرية التي لا حول لها تداس كرامتها من أجل لقمة العيش "المغمسة بالذل"، وبتسارع نقطة الزمن المسرحي ليأتي المشهد قبل الأخير الذي فرض بظلاله المأساوية على مشاعر الحضور.. مجموعة الفتيات يعملن في مصنع "الولاعات" يقمن بحركات رتيبة خضوعاً لإرادة رب العمل، وتظهر عليهن علامات الإرهاق والإعياء الشديدان من ظروف العمل القسرية ولتأتي بعدها الكارثة.. طقوس الموت حرقاً بالنار.. أجساد الفتيات تتلاحم لتصبح كتلة واحدة... يتعاركن مع الموت الذي كان أقوى منهن جميعاً..."

بصيص أمل

أما المشهد الأخير الذي يعتبر أكثر المشاهد تأثيراً "يدخل حفار القبور" الذي يعتاش من وراء دفن الموتى" إلى الحانة ليمتع نفسه بالشراب والنساء.. ليجد عالماً غريباً، أجساداً مشوهة.. رؤوساً تسقط أرضاً..

صمت مطبق.. ليكتشف نفسه أمام أشباه موتى.. شباب مدمن على الكحول والمخدرات.. جندي ما زال يتأمل مجده البعيد.. فتاة تعيش في حالة انفصام للشخصية.. عانس كان وجهها جمجمة فشلت في تحقيق السعادة في الحياة... عندما يقترب حفار القبور من أحدهم يفر خوفاً منه... وساعدت الموسيقى التصويرية كثيراً في إعطاء صورة حقيقية لعالم الموت..

ولم تكتف المسرحية بإظهار هذه النزعة التشاؤمية التي سيطرت على مجمل المشاهد.. بل أعطت للحضور بصيص أمل في الخلاص تمثل "بظهور فتيات بثياب ناصعة البياض قد تمثل الملائكة تنحي الموت جانباً" شخص مكفن "ليحل محله الحياة والأمل بمستقبل دون خوف".

وعن استخدام لغة الايماء محل الكلمة في العرض المسرحي قال المخرج فتحي عبد الرحمن لـ "اليوم الثامن":

إن الكلام استخدم كوسيلة في المسرح، لكنه ليس الوسيلة الوحيدة للتعبير؛ فلغة الصمت والتعبير بالجسد والرقص التي قامت بها الشخصيات لا تقل أهمية عن الكلام، وتعبر عما يجول في أعماق النفس البشرية من أحلام.

وأضاف "أشارت المسرحية في أحد المشاهد إلى الظلم والاضطهاد التي تتعرض له الفئات الضعيفة في المجتمع من النساء والأطفال، وهذا موجود في أية بقعة من العالم في مصادرة حياتهم واستغلالهم، وهذه تمثل إحدى دوائر الخوف في المجتمع".

وأشار إلى أن "فكرة الموت الذي برز في أكثر من مشهد تعتبر من الأمور التي تقلق الانسان وتحد من فكرة الخلود وسعيه الدائم وراء السعادة والحياة الدائمة".

في السياق ذاته، تابع عبد الرحمن "هناك بشر يولدون ليجدوا الأغلال بانتظارهم، علاقات انسانية وزوجية تتفسخ قبل أن تبدأ، نساء وفتيات يمتن احتراقاً من أجل لقمة مغمسة بالذل... موت مجاني ومرض عبثي قاتل وشعور متزايد يطفح بالفزع الداخلي.. يهيمن على الوجدان ويحيلنا كبشر إلى مجرد أرقام وكائنات لا حول لها..."

وقال: "أدركنا أن النتيجة جارحة ومقلقة وفاقدة للإجابات، وأن الحقائق والأحداث الحياتية مدهشة أكثر من الفن نفسه لصعوبة احتوائها فنياً وتصويرها إبداعياً"، مشيراً إلى "أن مسرحية الخوف كانت التجربة الأصعب علينا، ولعل فضيلة التجريب في الأصعب منحتنا متعة الاكتشاف وإنفاق الجهد الذهني والجسدي، بحثاً عن فضاء أرحب للوصول إلى المسرح الذي نحلم به والحياة بلا خوف".

وفرقة المسرح الشعبي فرقة حديثة العهد، قدمت 3 عروض مسرحية: "قراقوش والموسيقى" وهي للأطفال، "وبحلم في بكرة" وتتحدث عن واقع اللاجئين والمخيمات، ومسرحية "الخوف" الأخيرة.

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 26 كانون1/ديسمبر 2011 10:37