3
الكاتب: Administrator
الأحد, 03 تموز/يوليو 2011 17:19
PDF طباعة أرسل إلى صديق

مسرحية الطائر الحزين - على مقاعد مسرح مخيم الأمعري

الأجنحة ليست دائما سببا للطيران

الأحد 31/12/2006

زياد خداش

وجدت نفسي الأسبوع الماضي جالسا بين عشرات الأطفال على مقاعد خشبية في مسرح صغير تابع لنادي مخيم الأمعري، أشاهد مسرحية الأطفال: الطائر الحزين، للمخرج الفلسطيني فتحي عبد الرحمن. أن تشاهد مسرحية للأطفال في مخيم معزول وموجود بملل وعادية وتكرار قاس وبوجود أطفال وطفلات مدارس المخيمات الحيويين جداً، فأنت واحد من اثنين: إمّا أنك ابن مخيم حقيقي تعرف بالضبط طعم زيت السمك واللبنة الدسمة الحامضة والبرغل، وقادتك قدماك بطبيعية غير مفاجئة إلى حيث ذاكرة هذه الأقدام من أزقة ووحول وسقوف زينكو، تسكن في مخيم وتعرف شكل ونكهة فرحة طفل ابن المخيم المختلفة عن كل فرحات المناطق الأخرى، أو أنك ابن مدينة مثقف تبحث بإصرار أحمق وجميل عن المعزول والمقصي والحقيقي من الأعمال الفنية سواء كانت مسرحيات وأفلام ومعارض فن تشكيلي.... الخ .

ثمة هامش ثقافي في بلادنا يشتغل فيه فنانون وكتاب بصمت وانتماء مؤلم ووفاء حزين، هل نستطيع أن نقول إن ثقافتنا الفلسطينية تتسع لمفردتي "متن" و"هامش" اللتين تحيلانا إلى مدن واسعة واستقرار وتراث ثقافي واسع؟ المسرحية تتحدث عن طفل اسمه "سامي" يولد بلا أجنحة في بلاد يولد أطفالها بأجنحة. يعاني سامي من هذا الفقدان المريع وغير المعقول للأجنحة، ويسخر منه زملاؤه، لكن ريما صديقته تقف معه وتسانده وتخفف عنه، وتحاول إقناعه بأن بالإمكان الحياة من غير أجنحة. وتتواصل أحداث وحوارات المسرحية لتصل بنا إلى رسالة تربوية لطيفة وهي أن احترام المختلفين عنا والتسامح مع من لا يشبهوننا، ليس فقط ضرورة حضارية بل ضرورة معيشية مصلحية أيضا، لأن الحياة تكره التشابه، وتحتفي دائما بالتنوّع وتثرى بالاختلاف.

المسرحية مستلة برؤية إنسانية شفافة من قصة للكاتب السويدي إلينز بوم، عنوانها:" زياد فوق جبل النورس". الأداء كان قويا، ولا أقصد بالقوة الإتقان، بل البراءة والعفوية تلك التي يقنعك من خلالها الممثل أنه لا يمثل، بل يعيش قطعاً من حياته كما رسمت في اللوح المحفوظ. صخب الأطفال وتفاعلهم مع المسرحية كان مؤشرا على نجاح المسرحية في لمسها لوتر حساس في حياة الأطفال، وهو التعاطف مع المظلوم. الممثلات كن تماما كما شاء الحدث وتطلبت والرؤيا: ميسون أبو زغيب، روان أبو ظاهر، إيثار مغاري، سهير أحمد، لينا صالح، حسين نخلة، ميساء عز، ناديا كنعان، سميرة ناطور.

الموسيقى والغناء ليس فقط أغنيا العمل وسانداه، بل قدما عملاً موازياً تماماً للفكرة والهواجس الداخلية للأطفال، حزينة كانت أم سعيدة، متوترة كانت أم هادئة. هذا لن يفاجئنا حين نعرف أن الجميل عبد الحليم أبو حلتم هو مبدع التأليف الموسيقي في هذه المسرحية.

أطفال المخيمات يكرهون الظلم لأنهم أكثر الناس تعرضا للظلم في العالم، لدرجة أنهم يحسون أن كلمة الظلم ابتكرت في بلادهم. إنهم ينحازون فورا للفراشة التي يطاردها الريح، ويتساءلون دوماً: لماذا يموت الأطفال في فلسطين، إنهم لا يحملون سلاحا؟

في مسرح فقير داخل مخيم موحل أطلق فتحي عبد الرحمن الأجنحة للطفولة الفلسطينية حتى تصدح بالغناء وترقص للحياة والتسامح والحب والأمل والبراءة، ما الذي يريده فتحي من المخيم؟ هو القادم من مخيمات الأردن فلسطينياً فناناً متحمساً للفن والنضال بالكلمة والرقص والغناء. فتحي فنان متوحد بمعنى أنه صوفي في لمساته وعميق النظرة في إدارته للحركة على المسرح.

الضيوف القليلون جلسوا في مقدمة المسرح مستمتعين بوقارهم وخشونتهم وذكائهم، وأنا جلست في وسطه بين الأطفال غائباً بهم وفيهم عن وعييي وذاكرتي الكبيرة المليئة بالأسئلة الكبيرة والمخيلة المؤسسة والهرمة. ما أروع أن أكون طفلا في عالم كبار قساة التصرفات وغريبي الأطوار وشديدي الإحساس بأنفسهم إلى درجة الصلف. ذروة الروعة كانت تتمثل في صيحات الأطفال حولي على سامي الحزين الذي بلا أجنحة، سامي سامي سامي. كانوا يعرفون أن سامي هو هم أنفسهم، أطفال بلا أجنحة، بلا بلاد أصلية، بلا طفولة، بلا حدائق أو ملاعب، بلا مدارس مناسبة بلا آباء متفرغين، بلا مستقبل.

على نفس خشبة المسرح في نادي مخيم الأمعري، يتواجد نفس طاقم الطائر الحزين مع المخرج نفسه، ليقاربوا تجربة مسرحية جديدة: حفار القبور، وهي رائعة شعرية سردية للعظيم الراحل بدر شاكر السياب، عالم بلا قبور، عالم بلا أجنحة، ما الذي يذهب إليه دائما فتحي عبد الرحمن؟ ما الذي يهجسه؟ ما الذي يؤرقه؟ عوالم بلا قسوة؟ بلا موت مجاني غير مفهوم بلا عنف بلا خوف بلا تعب؟ لكن فتحي يقدم هذه الرؤية في مسرحية الكبار هذه، وفي معظم أعماله دائما من مدخل مثير وحساس ومدهش.. إنه مدخل الطفولة الحزينة المقتولة والناهضة في الوقت نفسه. لن يختلف معي أحد حين أقول إن مسرح الطفل في بلادنا ضعيف جدا، وقلائل من سيعارضونني حين أقول إن الاحتلال وممارساته ليس هو السبب الوحيد لضياع حقوق طفلنا الفلسطيني. هناك أسباب أخرى مرتبطة بذهننا المشخصن ومفاهيمه الجامدة ورؤيته القاصرة عن رؤية ما هو أبعد من حاجات الأطفال الأساسية كالحليب والدفتر والمسدس البلاستيكي. الهامش المعذب والجميل هو قاعة صغيرة في مخيم بعيد، بكهرباء متعثرة وضجيج خارجي لا يحتمل، هو فتحي عبد الرحمن الفنان الذي اختار المقاهي البعيدة عن وسط المدينة حتى يتأمل تجربته ويكتب. مرة من المرات رأيته في مقهى الانشراح يجلس أربع ساعات دفعة واحدة مع أوراق، وكتب هارباً من عالم النميمة الفارغة وحروب المثقفين التعيسة، أليس هذا ما نحتاجه في بلادنا التي تفتقد فعالياتها الثقافية ورموزها للصمت والتحديق في المرايا والعمل الحقيقي والود والإبداع الطازج؟

فنان يهرب من المقاهي الضاجة بالدخان الفاسد والصراخ إلى حيث مقهى كبار السن الصامت والبارد، فنان يهرب إلى قاعة مسرح مخيم شحيح الملامح بمقاعد خشبية رجراجة وآيلة للسقوط متخليا عن أناقة القاعات الكبيرة والمقاعد المخملية الناعمة، فنان يمشي كثيرا متأبطا أوراقه وأحلامه وحزنه الخفي، في الشوارع قليلة المارة، ذاهباً إلى حيث نادل بسيط لا يشتم أو يحسد أحدا، ولا يتدخل في حياة رواد مقهاه.

فنان فلسطيني عاد من عمان بفرقته: فرقة المسرح الشعبي الفلسطيني عام 96، والتي أنتجت عديداً من المسرحيات للكبار والصغار وفازت بجوائز عديدة وشاركت في مهرجانات عربية كثيرة، ليؤسس في بلاده ما يقترب من مفهوم النظافة في الرؤية الفنية وفي السلوك والمطابقة الجهنمية بين الحلم والحياة والإصرار على الفكرة التي في رأسه حتى لو كان ثمنها مقاعد خشبية متهتكة وإضاءة متلعثمة في مخيم موجود كل يوم وبروتينية مفزعة وبنفس الوجه وكأنه غير موجود إطلاقا، فنان من هذا النوع وبكل هذا العناد يستحق منا كل الحب والاعتزاز.

منشور على موقع الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة:

http://www.aljabha.org/index.asp?i=24475

 

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 26 كانون1/ديسمبر 2011 11:08
 
...

بيانات الاتصال

رام الله - فلسطين

664

popular.theatre.pal@gmail.com

 5854 298 - 02

5854 298 - 02