2
الكاتب: Administrator
الأحد, 03 تموز/يوليو 2011 17:21
PDF طباعة أرسل إلى صديق

الطائر الحزين.. سفير فرح الطفولة.. والمسرح

جريدة الحياة الجديدة- يوم الاثنين 24/4/2006

بقلم: أسامة ملحس- كاتب ومخرج وممثل مسرحي

ليست المرة الأولى - ولا أظنها الأخيرة - التي يفاجئنا بها الفنان المسرحي فتحي عبد الرحمن بعمل فيه الجديد؛ تراه وكأنك تكتشف المسرح لأول مرة .. ولكنك أيضا إن أنت داومت على متابعة أعمال الفنان فتحي عبد الرحمن، ثم شاهدت عملاً جديداً له فإنك سترى لمساته المميزة، فتعرفه منها دون تعريف ..

"الطائر الحزين" آخر أعمال الفنان فتحي -وليست الأخيرة - التي تحمل تلك البصمة الخاصة إلى جانب التجدّد والتجديد،... عرضها لجمهور فلسطين في قصر الثقافة في رام الله، وما زالت العروض في أماكن أخرى في رام الله، بعد أن حصدت ما استحقت من التقدير في تونس، حيث كان العرض الأول هناك ضمن أحد المهرجانات المسرحية. ثم طار الفنان فتحي بطائره الحزين عائدا إلى فلسطين ليرسم الفرحة على وجوه طيورنا، ويحقق الدهشة من خلال الفرجة الفنية.

وحكاية (الطائر الحزين) المستوحاة من قصة (زياد فوق جبل النورس) للكاتب السويدي (الينز بوم) تحكي حكاية طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، يحاول أن يتغلب على عجزه .. بل أراد أن يجد ما تمناه في نفسه مما يراه في الآخرين، غير معترف بعجزه، غير قابل لنفسه... ثم بعد أن يغامر بالبحث عن إمكانيته وقوته الغائبة ويتعرض للخطر، يكتشف محبة الآخرين له واهتمامهم به، وليس شفقتهم عليه، كما كان يظن ويكره... ثم بعد ذلك يتقبل وضعه بتقبل الآخرين له.

هذه المسألة الإنسانية في هذه الإشكالية النفسية هي أبدية الوجود والحضور مع كل إنسان أُصيب بما يضعه في مصاف ذوي الاحتياجات الخاصة... فإن تناولها المخرج (أيُّ مخرج) بأي صورة تقليدية، فلن تؤدي وظيفتها الملحّة بضرورة التنبه لذوي الاحتياجات الخاصة، وضرورة العناية والاهتمام بهم .. بل ربما أُضيفت إلى قائمة التقارير أو الأخبار أو الدراسات المتراكمة حول هذا الموضوع إضافة تُفقدها قيمتها الإنسانية، أو تجعل منها ربّما مملا يُضاف إلى تلك القائمة، ولا يُضيف إليها قيمة جديدة... ثم من يغامر في طرح موضوع بهذه الحساسية من حيث الأهمية الفنية؟ فنحن لا نُنكر ضرورة الالتفات إلى هذه الشريحة من المجتمع - والتي طالما هُمّشت - ولكن دون أن يكون هذا الالتفات مبتذلاً ومصطنعاً أو جارحاً لمشاعرهم المرهفة، إضافة إلى ضرورة الابتكار الفني في التناول المسرحي ليكون موضوعا مُلفـتاً، حتى لو كنا قد ألِفناه بالتكرار الممل.

هذه المعادلة عندما يقف أمامها الفنان "فتحي عبد الرحمن" ليخرج فيها بعمل مسرحي متميز، لابدّ وأن تكون النتيجة عملا يحقق الدهشة، وجمال الفرجة، ويُثير فيك تفاعلاتِ هذه المعادلة بالشروط التي خَطط لها ودرس كل تفاصيلها الفنية، وعالج كل إشكالية مسرحية شائكة علقت فيها بين الفكرة والتنفيذ.

(لأجنحة)، خرج بها المخرج - في هذه المعادلة المُؤثّرة - من نمطية العرض لهذا الموضوع، وكذلك خرج من تخصيص شكل الإعاقة البشرية المعتادة، مهما كانت عامة أو خاصة... ففي أيّ صورة من صور التخصيص أو التجسيد لأيّ إعاقة سيجعل العمل المسرحي مسخاً فنياً مبتذلاً، بالإضافة إلى إثارة مشاعر أصحاب الإعاقة الشبيهة، ومشاعر أصحاب الإعاقات الأخرى - التي أُهملت – إثارة سلبية على السواء.

وإنني كلما أوغلت في أجزاء المسرحية أحسست بالبساطة الموعودة في (البرشور) تجذب كلّ انتباهة في متابعتي، فتنسجم كلُّ جزئية في الأداء الرائع لفريق التمثيل، وكل جزئية في ألحان الأغاني، وكذلك معاني كلمات الحوار- تنسجم جميعاً مع شمولية فهمي واستمتاعي – كمتفرج – حتى استشعرتُ اتقانا يتنافى مع مسمى البساطة، ويتعداها إلى عبقرية الإتقان بالسهل الممتنع.

ذلك هو المسرح، وذلك هو الفن المسرحي الذي نريد.. وهذا هو "فتحي عبد الرحمن" الذي نعرف وإن كنتُ قد جهلتُ جانباً من الفنان فتحي في بداية المسرحية؛ وكأن البداية كانت خارج نطاق البصمة الخاصة للمخرج، لولا بعض الخيوط الواهية التي تربط بين (الراوي) وأسلوب المخرج؛ فالبداية كانت أطول من الزمن الحقيقي في نفسي، وأكثر جموداً وجفافاً مما أتوقع، وعلى جانب كبير من التناقض مع حيوية وسحر بقية العمل المسرحي حتى إلى ما بعد لحظة انتهائه عندما امتزج فريق التمثيل مع جمهور المسرحية الصغار والكبار يوزعون عليهم هديتهم الخاصة.

المشهد الذي ابتدأتْ به المسرحية كان كأنه العضو (المعاق) بين بقية المشاهد، فهل أراد المخرج أن نشعر بذلك، ليوحي لنا بإيحاء ما، أم أنها ثغرة العمل؟ فإن كانت كذلك فهل هي كبوة الفنان "حسين نخلة " الذي قام بالدور؟ فهو نفسه الذي قدّم في نفس العرض شخصية أخرى هي (الرجل العجوز) بأداء فيه من الانسجام والتلقائية والإبداع ما يكشف ما اعتدنا عليه من دقة المخرج في اختياره للممثلين ...

ودقة المخرج في اختيار الممثلين من ميزاته في جميع أعماله؛ فقد تميزت الفنانة "سميرة الناطور" بدوريها في المسرحية، عندما كانت الأم، ولا أم مثلها. وعندما كانت ضمن الأطفال الطيور، ولا طفلة مثلها ... وربما القلة من اكتشف أنها قامت بدورين ..

ولا يمكن إغفال التلقائية المدهشة في الأداء والحسّ عند الطائر بلا أجنحة (سامي) أو إن شئت "روان أبو ظاهر"، وإن لم أتمكن من التفريق بينهما؛ فكلاهما كان عصفوراً رائعاً ....

بل كل عصافير جنة العرض المسرحي المحقق للدهشة ، كانوا مدهشين: (ميسون أبو زغيب، إيثار مغاري، لينا صالح، ميساء عز، سهير أحمد، ناديا كنعان). ولا يقلّ عن جهدهم جهود بقية الطاقم الفني، وعلى رأسهم مبدع الألحان الموسيقية "عبد الحليم أبو حلتم"، وكذلك مبدع الدمى "عبد السلام عبدو" ومبدعة الرقصات "ديانا عبد القادر"، وبقية المبدعين الفنيين، كلّ باسمه، جميعهم قد حققوا مع المخرج الفرجة المسرحية لإمتاع الطفل الصغير والطفل الكبير ممن حضر.

وجدير بالإشادة هنا والإشارة إلى ما حققه العمل المسرحي (الطائر الحزين) من كسر حاجز الرسمية الذي اكتنف مبنى قصر الثقافة، الذي اقتصر على الفعاليات ذات الطابع الرسمي منذ تأسيسه، فلا يكاد يرتاده إلا كل متأبط لربطة عنقه... واليوم تُفتح أبوابه على مصراعيها لعصافير الأطفال، أو لأطفال العصافير، فتشرق شمس جديدة من داخله.. خطوة عظيمة في سبيل تعميم متعة المسرح ودوره، تقدمت بها إدارة القصر، أو قدمتها مسرحية" الطائر الحزين .."

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 26 كانون1/ديسمبر 2011 11:06
 
...

بيانات الاتصال

رام الله - فلسطين

664

popular.theatre.pal@gmail.com

 5854 298 - 02

5854 298 - 02