أعمال الفرقة مسرح الطفل عروض القفص 2
2
الكاتب: Administrator
الخميس, 17 تشرين2/نوفمبر 2011 20:48
PDF طباعة أرسل إلى صديق

أطفال يرسمون وطنهم

القفص: حيث الوطن فضاء مسرحي

جريدة الأيام- 16/8/2003

كتب محمد دراغمة:

تماماً كما هو الوطن، دون زيادة أو نقصان رسمه "أطفال القفص" بفنية عالية في مسرحيتهم: سجن وحصار أطفال يولدون على الحواجز وآخرون يسقطون في ساحات اللعب، مدارس تغلق، ومعلمون يغيبون، وطن بحجم سجن كبير، لكن شكراً لهم فهو سجن دون قضبان.

في هذا الوطن المحاصر بين أشعة الشمس والقشرة الأرضية وجد أطفال القفص، حيث كل حركة للإنسان تجري وفق مشيئة المحتل، ندرس متى يشاءون، نسافر متى يشاءون، ولا نسافر متى يشاءون، نعمل متى يشاءون، ولا نعمل متى يشاءون، ننام متى يشاءون، ونصحو متى يشاءون، نبكي ونضحك متى يشاءون...

في وطن استثنائي، وفي زمن استثنائي، يعيش ويتحرك أطفال القفص، حيث كل شيء له رقم: الهوية لها رقم، وجواز السفر له رقم، السجين له رقم، والشهيد له رقم، الجوع له رقم، والفقر له رقم.

يبدأ الأطفال عرضهم المسرحي بسلسلة من الأرقام تلقي ضوءاً ساطعاً على واقع الطفولة المدمر في فلسطين، ضوءاً حاداً تقشعر تحته الأجساد، فيتناوبون على قراءة أرقامهم من صحيفة يحملونها: أعلنت وزارة التربية والتعليم أن 223 طالباً وطالبة قد سقطوا على مقاعد الدراسة أو في الطريق إلى المدرسة، وأن 1,970 قد أصيبوا بجراح، وأن الدراسة عطلت في 850 مدرسة، وأن 197 مدرسة قد تعرضت للاقتحام أو القصف وأن...

أما الأرقام والنسب الحياتية للأطفال في فلسطين فبدت متوافقة تماماً مع هذا الواقع، 35% زيادة في نسبة الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، 42% يعانون من أمراض نفسية مروراً بنسب من يموتون في ولادات الحواجز دون الوصول إلى حدود في هذا الموت المتواصل دون حسيب أو رقيب.

عرض الأطفال أرقامهم المباشرة هذه بطرق فنية بعيدة عن الخطاب المباشر، وغاصوا في تفاصيل الواقع: فهذا المعلم الذي مثل دوره المخرج الفقير فتحي عبد الرحمن يأتي إلى الصف ليحل محل معلم آخر غائب، يسأله التلاميذ عن سر غياب معلمهم المتواصل منذ يومين، فيجيبهم بأن زوجته ولدت على الحاجز وأنجبت ولداً وفي إجابة تمثل قدرة الفلسطيني على التعايش مع حصار بهذه القسوة يقول المعلم للتلاميذ عندما يسألونه بغرابة عن كيف ولدت زوجته على الحاجز "مش مهم كيف ولدت، المهم إنها ولدت وجابت ولد".

وفي صورة أخرى يأتي تلميذان متأخران عن الدوام، وعندما يسألهما المعلم عن سبب التأخر، يجيبانه في سخرية مريرة لكنها ليست غريبة عن واقعهما، بأنهما جاءا على ظهر حمار بسبب الإغلاق، وأن الحمار قد أحرن في منتصف الطريق، أي رفض مواصلة الحركة، ما اضطرهما إلى مواصلة السير على الأقدام حيث وصلا متأخرين.

يمزج أطفال القفص المشهد الدرامي بسخرية عالية تجعل من مسرحيتهم أثيرة لدى الأطفال الذين كان الكثير منهم يشاهدها مرة تلو أخرى خلال عرضها في نابلس على مدار الأسبوع الماضي. يقول أحد التلميذين للمعلم: "لقد حاولنا مراضاة الحمار كي يتحرك لكنه رفض، أطعمناه ومازحناه وحكينا له النكات دون جدوى".

تشكل هذه المسرحية التي كتب نصها فريق التمثيل المؤلف من مجموعة أطفال أعضاء في نادي الطفل في مخيم الأمعري، بإشراف المخرج المسرحي فتحي عبد الرحمن، محاكمة للاحتلال الذي لا يتورع جنوده عن قتل الطفل بدم أبرد من ثلج سيبيريا.

فها هو الجندي إبراهام يقتل الطفل إياد أثناء لعبه في حارته، وعندما يسأله القاضي في محكمة افتراضية عن سبب قتل الطفل يجيب: كان يلعب في منطقة ممنوعة عليه، فيجيب طفل من الشهود بجملة بسيطة لكنها تخرق الآذان "هذه حارتنا نلعب فيها بحرية".

قدم المخرج فتحي عبد الرحمن مسرحيته القفص باقتدار عالٍ، فنجح في تجنيبها الخطاب المباشر على كل ما تحمله من معلومات وصور يومية مباشرة، حيث أحاطها بغلاف فني رفيع ممزوج بكوميديا فيها من السواد بمقدار ما فيها من السخرية المريرة. ويقول عبد الرحمن أن الأطفال قرروا أن يكتبوا المسرحية بأنفسهم، فجمعوا القصص والحكايات من مشاهداتهم ومعاناتهم، مركزين على حقوقهم الضائعة.

يقدم أطفال القفص مسرحيتهم على أرض واقعهم الذي يتحول بكل ما فيه إلى فضاء مسرحي، فكل ما عايشوه كفريق أثناء التحضير للمسرحية بدا جزءاً من المسرحية، حيث تعرض مركزهم للاقتحام والتدمير، وكذلك ما عايشوه أثناء العرض، حيث الحواجز تمزق الوطن وتفصل بين الإنسان وظله.

قدم الأطفال القفص مسرحيتهم في نابلس في آخر يوم للعرض يملأهم القلق والتوتر بعد أن علموا أن السلطات أغلقت المدينة ولم تعد تسمح لأحد بدخولها أو الخروج منها حتى إشعار آخر.

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 26 كانون1/ديسمبر 2011 11:17
 
...

بيانات الاتصال

رام الله - فلسطين

664

popular.theatre.pal@gmail.com

 5854 298 - 02

5854 298 - 02