نصوص ومقالات نصوص بيت "برناردا ألبا" ومسرح لوركا
بيت "برناردا ألبا" ومسرح لوركا
الكاتب: Obaida Salah
الأربعاء, 02 آذار/مارس 2016 11:39
PDF طباعة أرسل إلى صديق

يُعرف "فريدريكو غارثيا لوركا" الاسباني، كشاعر غنائي أكثر منه مؤلفاً مسرحياً، واعتبره الاسبان شاعراً وطنياً كبيراً ورمزاً من رموز الإبداع والثورة. ورغم أنه لم يكتب الكثير من المسرحيات، إلا أن ثلاثيته التراجيدية (عرس الدم، يرما، بيت برناردا ألبا) تعتبر تجديداً للتراجيديا المتألقة، ولكن بروح عصرية تنطلق من المسرح الشعبي الحقيقي. فأبطال وشخصيات مسرحياته اختارها من الفلاحين القرويين الغارقين في تقاليد الريف القاسية والقيم السائدة (الثأر للدم، عاطفة الشرف، التمسك بالتقاليد المقدسة القديمة، الانتقام... إلخ). تناول "لوركا" في أعماله الفلاح الاسباني الغارق في البؤس والخائف من المستقبل، ليجعل من الحاضر نتاجاً للعبودية وبؤس الحياة منذ مئات السنين السابقة، فهذا النظام القروي المحكوم بالجهل والخرافات الدينية والعائلية، بالضرورة نظام معادي للحرية والحب.

هذا النظام القروي -من وجهة نظر "لوركا"- يجعل الشر منتشراً بين الجميع، لذلك لم يُسقِط الشرّ على شخصية واحدة، فجميع الشخصيات في مسرحياته مركبة في عواطفها ومفاهيمها ولديها قدر من الشر، وبالتالي مشاكل العلاقات الخاصة بين الأفراد تتعمق وتصبح قضايا اجتماعية عامة، والصراع يتركز بين صفات الشعب الطامح للحرية والعدالة، وبين غباء وخمول نظام قروي وتقديس للتقاليد القديمة.

يبتعد "لوركا" في مسرحياته عن نظام البطل الرئيسي الفرد؛ فجميع الشخصيات تقريباً تصبح بطل رئيسي في لحظة من لحظات الصدام التراجيدي. إن "لوركا" يخلّف طباعاً متناقضة لدى أبطال مسرحياته، حيث يسلط الضوء على الطباع البشرية الفظّة، ويكشف بشاعة الطمع والغرائز الفجّة والظلم الوحشي والنفاق والعجرفة والخرافات التي تنتقل من جيل لآخر، من الأم إلى بناتها، مثال ذلك بنات "برناردا"، هنّ في كل شيء يشبهن أمهن "برناردا"، أنانيات، منافقات، يبتذلن الطبيعة الإنسانية ويفرغن معناها. إنهن متّحدات في كراهية الحرية وكراهية الحب، يسيطر عليهن البؤس والاستسلام، وتتحكم بهنّ الغرائز. وسط هذا العالم تتسيّد "برناردا" الأم، وتحول الحياة إلى موت، والحب إلى مجرد علاقة شهوة روتينية.

البطل الحقيقي في مسرحيات "لوركا" هو الشعب، ولكن "لوركا" يتجنب التزلف للشعب ويقدم الحقيقة بقسوة، فهو لا يعفي الناس من مسؤولية أعمالهم، فنقائض الحياة الاجتماعية لا تبرر الخمول والاستسلام والسيطرة على روح الشعب، لأن هذه الروح المتطلّعة للحياة والطامحة للحرية والمتعطشة للعدالة لا يمكن أن تغير واقعها دون إرادة، ودون أن تغيّر سلوكها وأفعالها وتأخذ زمام المبادرة.

موضوع الحب والموت، يتكرر في مسرحيات "لوركا"، ويظهر كأن الموت هو نتيجة للحب. فالموت يأتي بعد الحب في المسرحيات، ولكن الذي يدفع إلى الموت ليس الحب، بل قوانين وعادات النظام الاجتماعي القاسية التي لا زالت سائدة. النهاية المأساوية رغم الألم تبدو أنها ضرورة كونها تعني تحرر الجوهر الإنساني من استبداد الخرافات والعادات الجامدة. رغبات الأبطال وشهواتهم التي تقودهم إلى الهلاك تعني قهر الأشكال الضيّقة للوجود الاجتماعي التي فرضها الزمن على الناس. الشرط الوحيد والقاسي لبقاء الإنسان هو النضال والصراع ضد كل ما يهدد الحب والحياة.

"أديلا" ابنة "برناردا" الصغرى، تتجرأ على التخلّي عن نداء الأخلاق المتّبعة والمعترف بها، فهي ترفض التنسك والاعتزال، فدماؤها تغلي بالحياة. لذلك تقيم علاقتها مع "بيبي إل رومانو" سراً لخوفها من أمها وأخواتها وخدم البيت ومجتمع القرية. لذلك، تكذب.. تكذب في كل شيء لتخفي سرها. "أديلا" في سلوكها لا تخرج عن تصوّرات أمها وفهمها للعاطفة والحب. فالأنانية والشهوة الخالية من كل الأسس الأخلاقية والمُثل الروحية العميقة تغيب عن علاقتها. لذلك "أديلا" ليست شعاعاً من نور، بل هي قلباً وقالباً جزء من المملكة المظلمة وجديرة بعائلتها، ولا تختلف عن أخواتها لأنها تبادلهنّ الكراهية والاحتقار، وتشي بهنّ إلى أمها "برناردا". إن حياة بنات "برناردا" الروحية فقيرة بائسة، وعالمهنّ ضحل، وأقوالهنّ روتينية تقليدية.

v    "الإبرة والخيط للنساء، والسوط والخيل للرجال"

v    "أن تولدي امرأة، هو أسوأ عقاب ممكن"

v    "حتى أعيننا ليست لنا"

v    "التي تفرط في شرفها عليها أن تدفع الثمن"

v    "الرجل بعد أسبوعين من الزواج يترك السرير لمائدة الطعام، وبعدها يترك المائدة للمقهى وأصدقائه. والتي لا يعجبها هذا الكلام، لديها بدل الأربعة جدران مائة جدار"

إن المأساة الحقيقية في هذه المسرحية ليست في عدم توفر فرص زواج لبنات "برناردا"، بل في عدم إدراك أي واحدة منهن للحبّ، وعدم شعورهنّ به. صحيح أن "أديلا" تعبّر عن حبّها لـ "بيبي" ببساطة، وتقود في المشهد الأخير معركتها بجرأة وشجاعة، غير أن بيت "برناردا" أقوى منها، كونها كانت قد قبلت بقوانينه وانصاعت لأنظمته بشكل كلّي. وتنتهي محاولتها الأخيرة للخروج من سجن البيت بالانتحار.

مأساة "أديلا"، هي انعكاس لمأساة شعب انتزعه التاريخ من الوجود الأبوي الفاسد، لكنه لم يملك بعد الإرادة الكافية للنضال والتحرر.

 
...

بيانات الاتصال

رام الله - فلسطين

664

popular.theatre.pal@gmail.com

 5854 298 - 02

5854 298 - 02