نصوص ومقالات نصوص مسرحية حفار القبور
مسرحية حفار القبور
الكاتب: Administrator
الخميس, 17 تشرين2/نوفمبر 2011 18:27
PDF طباعة أرسل إلى صديق


إعداد: فتحي عبد الرحمن

حازم كمال الدين


المشهد الأول

المقدمة: موسيقى مختلطة مع رياح جافة، الوقت غروب. المكان مقبرة خلف المقبرة فضاء، ثلاث ساحرات يرمزن إلى قوى الشر والعدوان يقمن مراسم تحضير الموتى. واحدة تؤدي الدعاء وهي تحمل مسبحة. أنها شبيهة بنسر عجوز، الثانية تحمل ماء وترشه في المقبرة حتى تصل إلى القبر، وهي تشبه الغراب، الثالثة تشبه البوم، وهي تحمل مبخرة.

الغرا ب: سيخيم ضوء الأصيل كالحلم الكئيب........ واه.

 

البوم: واه

الغراب: واه

البوم: واه

الغراب: كالحزن يزحف من غيهب الذكرى ومن خلف الدموع... هكذا

(يطفئون الشموع شمعة اثر الأخرى.... يتصاعد الإحساس بالشر.... صوت ريح يختلط بنبوءة طقسية.... الساحرات ينصبن فزاعة على هيئة جندي.... حتى يكاد المكان إن يكون مظلما يلتفتن إلى عمق المسرح أو إلى عدة أماكن بشكل مفاجىء).

الغراب: اظهري يا أسراب الطيور وغطي السماء.

البوم: أيتها العقبان اظهري، فالطلل البعيد يتثاءب محدقا بالليل البهيم.

1

الغراب: أيتها البوم تعالي...... هاهو الليل يحدق من بابه الأعمى ومن شباكه الخرب البليد... أيتها النسور........ أيتها الصقور

البوم: اعصفي بالسماء يا ريح الجنوب، واجلبي آلهة الموت السوداء.

الغراب: اعصفي أيتها الطيور كالعواصف السوداء، واملئي الجو بالنعيب.

البوم: حطي كالعفاريت في بيت قديم.

الغراب: اعصفي اعصفي اعصفي .....

(تتصاعد لتتحول إلى تراتيل وإيماء.... أصوات مثل يي..... يي.... يي....، بعيدة متصاعدة يتكيف من خلالها جو السحر. يتصاعد الجو عبر علاقة الساحرات بالقبر والفضاء والجمهور)

النسر: نادي إلى سرب الغربان.

البوم: نادي إلى سرب الغربان.

النسر: من تلك النقطة في الأفق نادي عليه.

الغراب: (خلال الحوار تتحول النسر والبوم إلى غرابين) اومي إلى سرب من الغربان تلويه الرياح العاصفة.. اومي إليه... تعال يا سرب الغربان التائه... تعال... يارب. بحق أوليائك الصالحين ساعدنا على جلب سرب الغربان التاءه في بحر النار (تستمر التعويذة حتى نهايتها صمت)

2

الغراب: سيفيض على المكان.

(صمت. ثم كان الساحرة خافت ولجأت إلى الجمهور)

البوم: إلى أين تهربين...؟ تعالي... نادي على سرب من الأرواح الصفراء.... ومن هناك من تلك النقطة في الأفق.

الغراب: اومي إلى سرب من الأرواح يحييها الظلام.... يا أيتها الأرواح الصفراء الأبدية... بحق الضوء المنحدر، وبحق الظلام المنتصر.... وحق الساعة الثانية من هذه الليلة المظلمة....احضروا إلى هنا لتساعدوا روح المرحوم ابن المرحومة بالمكوث بين أيدينا ليلة واحدة.

(تستمر التعويذة حتى نهايتها.... صمت)

النسر: أنادي الطيور المرعبات لتخنق الأرواح العلوية، أنادي الطيوف المرعبات بحق هذه الساعة وما عدها وما قبلها، أقول لتفر ديدان القبور لتلتهم الفضاء، لتشرب الضوء الغريق، وكأنما أزف النشور، أنادي الطيوف المرعبات لتتجمع الساعة هنا حتى يستيقظ الموتى عطاشى يلهثون على الطريق.

(تتجمع الساحرات حول حفرة كالقبر، يستحضرن روح، حفار القبور يحضر من جوف القبر... انه كالمومياء)

3

البوم: بعد قليل تشتعل في هذا الجسد روح.

الغراب: ستشتعل فيه بعد اختناقها الطيوف المرعبات؟

النسر: نعم، وسترتخي تلك الظلال السوداء ببطء، سيفر الظلام، ويترك ظلا طويلا يلقيه حفار القبور (تمارس السيطرة الذهنية على حفار القبور)... يا عبد الله تقدم... تقدم يا عبد الله (موسيقى مع ممارسة السيطرة الذهنية على حفار القبور وتلقينه) كن مقلة جوفاء... كن قاسي الكفين... كن جائعا كالذئب.

الغراب: بفم كشق في جدار مستوحد بين الصخور الصم.

النسر: كن بمقلتين تحدقان بلا بريق... بلال دموع في الفضاء.

البوم: بدم ابرد من جباه الخاملين.

(يقف حفار القبور ومازال في روحه جمود المومياء.. تتقدم الساحرات منه وكأنهن يتفحصن شيئا في غاية الغرابة)

النسر: انظري إليه.

الغراب: كفاه جامدتان وكان حولهما هواء... عيناه فارغتان مثل بئر جاف.

البوم: انظري إلى فمه.

الغراب: مثلما أردناه.. كشق في الجدار.

النسر: ومقلتاه؟

الغراب: جميل... إنهما تحدقان بلا بريق في الفراغ.

(تند من حفار القبور حركة فتتراجع الساحرات...... صمت).

4


المشهد الثاني

(تدب الحياة تدريجيا في أوصال حفار القبور.... انه يشعر بكل دفقت دم تمر في كل عضو من أعضائه... يتمشى ثم يجلس حزينا على سطح احد القبور)

حفار القبور: هو ذا المساء يدنو، وأشباح النجوم تكاد تبدو، بل تبدو... تلك هي والطريق خال، لا نعش يلوح ولا عويل (صوت غراب من بعيد يصغي إليه) وعلام تنعق هذه الغربان والكون باق يدور، يعج بالأحياء مرضى جائعين، بيض الشعور كعظام الموتى ولكن خالدين لا يهلكون؟ (إلى صوت الغراب) علام تنعق؟ أن عزرائيل سيموت، وغدا أموت... وغدا أموت؟

النسر: انظري إليه.... سيهز يمناه في وجه السماء.

البوم: هل يجرؤ؟

النسر: طبعا يجرؤ... انتبهي إليه جيدا (يناجونه ذهنيا) سيهز يمناه في وجه السماء.

البوم: سيهز يمناه في وجه السماء.

الغراب: سيهز حفار القبور يمناه في وجه السماء.

(يتحول ترديدهن إلى صراخ كأنه قدر... بعض الشموع)

حفار القبور: يارب... إما تثور فتبيد تسل العار، تحرق الصواعق المهلكات أحفاد عاد باعة الدم والخطايا والدموع؟

5

البوم: (يطير فرحا) هيه هيه.. حقا لقد هز يمناه في وجه السماء. (تعيد محاكاة إيماءته بسخرية) يا رب.... إما تثور فتبيد نسل العار، تحرق بالصواعق المهلكات أحفاد عاد باعة الدم والخطايا والدموع ؟ سيهز يمناه مرة أخرى.(تناجيه ذهنيا مرة أخرى) سيهز حفار القبور يمناه في وجه السماء.... سيصرخ في وجه السماء (يستمر تردد الحوار بالاشتراك مع النسر)

النسر والبوم: أكثر... أكثر... أكثر أكثر.

حفار القبور: يارب مادام الفناء هو نهاية البشر فأمر يهلكون هذا المساء... سأموت من ظمأ وجوع إن لم يمت هذا المساء الى غدا بعض البشر.... فابعث به الظلام أبعثه قبل الظلام.(يتحول ترديده إلى صلاة، الساحرات يصلين معه وهن بوضعيات مختلفة يرددن)

الساحرات: ابعث به قل الظلام..... ابعث به قبل الظلام.

(تستمر الصلاة بالتصاعد والهبوط والتصاعد حتى يقطعها حفار القبور)

حفار القبور: يارب (ينهار باكيا) أسبوع طويل مر كالعام...... والقبر خاو يفتح فمه انتظار...... تتثاءب الظلماء فيه ويرشح القاع البليل (يبدأ تداعيا وهو يكتم صراخه) أين الشفاه؟ أين المآقي؟

6

(الساحرات يمسكن المعاول وينبشن الأرض... أحداهن تتمرغ في الأرض أو تقوم بأي فعل ينتهي في نهاية الحوار بان تصبح تحت قدمي حفار القبور)

الغراب: الشفاه تذوب من حنين.

النسر: آه على تلك الشفاه والمآقي... آه على أجساد العذارى

الغراب: اياكل الليل الرهيب منها ما تمناه الهوى

حفار القبور: يا للخيبة... كم جثة بيضاء ما مستها شفتاه حبيب... أمسى يعانقها التراب وانأ هنا أرنو إلى سراب ولا أنال سوى العويل إلف أنثى تحت إقدامي تنام (ضربات قدمه على الأرض تتحول إلى إيقاع عسكري) أين الحروب؟

البوم: (يصرخ فرحا) لقد وصل وصل إلى الحروب فهل لك أن تجلبي له الحروب؟

النسر: حسنا سأناجي الحروب عساها تحضر ساعة اطلب ذلك. عساها تلبي فرحتي... أقسمت عليك يا أبو رياح يا حامل الكلاليب والرماح يا متقلدا بالسيوف والسلاح في سائر البراري والبطاح تمجد القوة في المساء والصباح وعند المجيء والرواح... اظهر لي برهاني واحضر وشم بخوري ودخاني واجلب أعوانك إلى مكاني، يطيرون في الهواء، ويأتون ومعهم مطلوبي ثلاثون جيشا يملئون الأرض والبحر والسماء أنوح أنوح بنوح بنوح ملخي ملخي... يا من تمجدك القوة والأرض لأمرك تخضع كل العباد..... ألوحا ألوحا العجل العجل يا صانع المجد افعل كل أمر عظيم والله على أمري كفيل (يضع النسر سلاحا بيد الفزاعة الجندي) خذ الحروب تمسك بها جيدا.

7

الغراب: خذ القذائف... خذ الضحايا قي الدروب.

حفار القبور: (بوحشية) هاتي الحروب.. هاتي الجثث لأظل ادفنها وادفنها وإذا لم تسع الصحارى سأدس في التلال عظامهم وفي الكهوف.(أصوات طائرات ومجنزرات تهدر بقسوة. الساحرات الثلاثة تركب ديكور كتلة السلاح). الساحرتان ترقصان وتغنيان إحدى الأغنيات القريبة من إيقاع الحرب أو التي تستخدم في الحروب الفلاحية).

حفار القبور: الله... الله، كأن انهيار المنازل في الحرائق نقرة دفوف وكأنه وقع أقدام العذارى يرقصن حولي لاعبات بالصنوج وبالسيوف.

(رقص وهرج إيمائي وصوتي من الساحرات له علاقة بألحان حربية ومنازل تتهدم يتصاعد ثم يختفي).

8


المشهد الثالث

الشخص: يا للشقاء عجلة الموت بدأت تدور.

حفار القبور: نبئت عن حرب تدور، وأن المدافع والقذائف لن تترك مكانا بلا دمار.

الشخص: باسم العدالة يمطر الناس بالعذاب، باسم القانون تسفك دماء الأبرياء باسم العدالة يقتل الأخ أخاه، فأي سوق للقبور.

حفار القبور: سوق كبيرة هناك؟

الشخص: وسوق كبيرة هنا، ستكون فيها بعد غد تحت شاهدا يملأ فمك التراب.

حفار القبور: لا لن أموت وسأدفن الموتى جميعا. أبواب الجحيم ستفتح عليهم من كل الجهات، وكل لحظة ستكون عاما من فرط العذاب.

الشخص: وبعد!

حفار القبور: ومن كل موكب جنائزي سأنتزع البخاشيش السخية، قربانا لأرواح الشباب من كل لون وملة. وسأشيد بأموالهم أعظم الأماني.

الشخص: يا للبشاعة ستزهق ألاف الأرواح، وسيطحن الأبرياء وتعجن عظامهم بالدماء. ستموت في الحرب اللعينة، وتلعن روحك للأبد.

حفار القبور: لن أموت والى جانبي جيوشا يعزفون.. نشيد النصر.

الشخص: ليس مهما من أنا.

حفار القبور: لا هذا مهم. تنبئني عن موتي وتحاول اخافتي.. من أنت؟ (يقترب منه بتوجس.. يتأمله جيدا.. صمت.. يتراجع مذهولا) الهي وكأنني أرى نفسي! ولكنك لا تشبهني.

9

(يقترب حفار القبور منه ثانية. يتلمسه ثم ينهار باكيا) رباه هذا أنا.. أم أنت؟

الشخص: (يشير إليه) هذا أنا

حفار القبور: (يشير إلى نفسه) وهذا أنت؟

الشخص: وهذا آنت (تتكرر هذا أنا: هذا أنت إلى درجة الصراخ، وينتهي حفار القبور أمام ديكور كتلة السلاح).

10


المشهد الرابع

(الساحرات في أزياء عسكرية، يقمن بإلباس حفار القبور زيا مشابها) (حفار القبور في ملابس الجندي)

النسر: خذ الحروب تمسك بها جيدا خذ السنابك والضحايا، خذ الجماجم....... خذ القنابل..... خذ الضحايا في الدروب كن معنا في حربنا..... (يمشي حفار القبور، وكأنه يمش على جثث الضحايا، النسر يغري حفار القبور، يناجيه ويناديه) لا تجزع ستقتل آلاف الجنود، وتبيد قبلهم آلاف الأبرياء، وستكون الأرض من ذهب.... ذهب..... ذهب....

حفار القبور: في خدمة الأسياد أنا.... في خدمة من يملأ نفسي بالآمال وجيبي بالأموال (متعب) آه لو تأتي الحروب، جثثا جثث، أسد بلحمها جوع القبور وجوع نفسي، لبيك يا صانع الغد ياحامل المجد يا مالك الذهب

الشخص: وتكون البلاد ليس فيها إلا يتامى أو عذارى أو أرامل غاب عنهن الرجال؟

حفار القبور: طبعا، مرحى باليتامى، مرحى بالأرامل والعذارى، مرحى بانهيار المنازل والمدائن مرحى بنقر الدف ووقع أقدام العذارى.

الشخص: وستعتلي عرش المشوهين وتقتحم الحرب كالغزاة؟

النسر: وتشتريها بالذي ملكت يداك (تكرار بين الشخص والنسر حول)

النسر + الشخص: وتقتحم الحرب كالغزاة وتشتريها بالذي ملكت يداك

11

حفار القبور: أين الحروب (يحاور النسر) ما زلت أسمع أسمع أسمع ولكن أين هي؟ ليت عيناي تلتقيان بالحرب. وكالنيازك والرعود تهوي معها على النخيل، على الرجال على المهود حتى تحدق أعين الموتى من كل شبر في مدنهم كآلاف اللآلئ رباه.. اني أقشعر (غناء رقيق) ما هذا الصوت الحنون وكأن ما بيني وبين إخوتي الآخرين حضن دافئ يلفنا بالمحبة والإخاء.

الشخص: حاذر من أن يملأ الطغاة قلبك بشهوة الذبح وسفك الدماء، فالأرض تصرخ لا تملأوا الدنيا بالأرامل واليتامى والمشوهين لا تملأوا بطني بالنعوش والقبور.

حفار القبور:(يقترب منه الشخص بعلاقة ما) يا للخيبة ألن أعيش بغير موت الآخرين؟ الطيبات من الرغيف إلى الخمور إلى النساء هي منة للموتى علي، فكيف أشفق على الناس، لا، لا، لا... لتمطرهم بالقذائف وبالحديد وبما تشاء حتى تشبع روحي... وسوف أرصف بالنقود وبالجماجم هذا المكان، وسوف أركض في الهجير بلا حذاء وأعد أحذية الميتين 1،2، 3، 100، 1000، مليون وأخط في وحل الرصيف دماءهم، وسأستبيح أجساد العذارى، وسأدفن الطفل الرضيع وأطرح الأم الحزينة بين القبور..............، ولسوف أغرز في جسدها الغض على التراب أصابعي اللعينة (يتحول المشهد إلى اندماج حقيقي، لهاث وأصوات) ويكاد يخنقها لهاثي وهي تسمع قلبي وسوسة النقود.

الشخص: نقودها ؟؟ نقودها.. نقود الحرب.. نقود الحرب من دمك ودم الأحباب.

12

(يظل يرددها وكأنها مدى الفجيعة، يتوقف حفار القبور عن الحركة فيوقف الطقس).

حفار القبور: ابتعد عن طريقي. في خدمة الأسياد أنا، في خدمة من يملأ نفسي بالآمال وجيبي بالأموال.. نعم نقود الحرب.. نقود الحرب (يردد حفار القبور كلمة نقود الحرب كالمهووس حتى نهاية المشهد)

الشخص: أماه تكاد حكمتي أن تضيع، في أي حضن سأدفن عيناي من هول ما أرى والأرض تحتشد بكل السلاح، أماه أيتها الأرض المباركة لم تتقيئين من بطنك كل هذه الأفاعي والديدان الكريهة لم تنبت في رمالك هذه الوحوش الضارية في هيئة الرجال أم هي دورة الحياة تقايضين فيها ذهبك بدماءهم.

13


المشهد الخامس

تأنيب الضمير

(يهرب حفار القبور بعيدا عن الشخص وكأنه أحس بالعار)

حفار القبور: واخجلتاه، أنا أحقر بني البشر (يبكي... صمت) (فجأة)...... لا لست أنا أحقرهم، أنا لست أحقر من سواي حتى وان قسوت فلي شفيع، اني كوحش في الفلاة لا أعرف إلا أن أطيع، ثم أني لم أقرأ الكتب الضخام.

الشخص: هذا لا يشفع لك، انظر إلى المتحضرين، ألا ترى أنهم متوحشون مسربلون بالحديد.

حفار القبور: لكن لن أصبح مثلهم، ومهما قسوت فلن أسف كما أسفوا، أنا.. أنا نويت فقط، ولكن هم من يفعلون.

الشخص: هم يفعلون وأنت تخفي فعلتهم، وغدا ستصبح رأس حربتهم اليوم يستبيحون الدماء، وغدا ترث الخرائب والعداء.

حفار القبور: لا علاقة لي بكل هذا، فهم الجناة ولست أنا.

الشخص: هم الجناة يلونون لك الخطايا أجل، وهم المجاعة والحرائق، هم المذابح والنواح، وهم المذلة والهوان أجل، وهم من سيستبيحون أرضك ومستقبلك ومالك حتى أنفاسك، فكيف تكون من القطيع؟ كيف ؟

حفار القبور: هم الجناة.. هم الجناة.. هم الجناة ولست أنا.

الشخص: وهم الذين سيوثقون قبضتي بشعر أختي..........، ويمكثون فوق صدرك جيلا بعد جيل.

14

حفار القبور: (كمن تحرر من سطوة الساحرات) ماذا! سيوثقون قبضتي بشعر أختي ؟

الشخص: تتمرغ على دمها كالظلام وكخضه الحمى، صدور تعلو وتهبط باللهثات، وكأنما رحى تدور.(يشخص مشهد الأخت. حفار القبور يجأر)

حفار القبور: يا مجرمون إلى الوراء فسوف تنتفض القبور وتقيء موتاها ويا موتى.. يا موتى استفيقوا.. استفيقوا.. (حفار القبور والشخص يمارسان بإيماءات وأصوات مبهمة ولهاث طقس تحريض واستنهاض الموتى، الساحرات يمارسن الطقس بحركات مختلفة بعد ذروة محددة يصمت الجميع)

حفار القبور: رباه عفوك إن قابيل المكبل في نفسي المظلمة هب وثار يعصره الملال. فالليل جاء وما أزل مستو حدا.

البوم:(للنسر) تعالى.. تعالى قبل أن نفقد الأمور.

الغراب:(للنسر) بسرعة.. بسرعة بالمال والأكفان. إن استفاق ثانية تضيع من يدنا الأمور.

(يصعد النسر إلى قمة كتلة ديكور السلاح، تخرج البوم والغراب لإحضار الجنازة الأولى).

(النسر يمارس إحدى التعاويذ لإحضار الحرب)

النسر: أقسمت عليك يا ناصور بيوم البعث والنشور وحق النار والنور

لقد هاجت الجن في القبور وزعقت الشياطين بالحضور....

زلزلي أيتها الحرب بحق النيران وكفتي الميزان،

أقسمت عليك يا ناصور بحق سكان البخور أين الزوبعة واللوبعة والعفاريت الأربعة ميجال وميمال ومهقال وعابد النار أين أنتم أيها المردة،

أسرعوا في قضاء حاجتي وهي حرب ضروس وجمر ضروس أجيبوا قبل أن ينزل بكم السخط والغضب وأسلط عليكم النار والشرار واللهب....

أجيبوا أنتم وأعوانكم وجنودكم وصغاركم وكباركم...

لقد تمت العزيمة وها هو القرار

(يطلق الرصاصة الأولى إيذانا ببدء الحرب).


المشهد السادس

الجنازة وبداية الكارثة

(موكب الجنازة تقوده البوم والغراب من الأمام والخلف. وسط حشد الفزاعات التي تحمل جثة الميت. الفزاعات بأسمال واسعة وأقنعة غريبة تجسد الحزن في ذروته. حجم الأقنعة ضخم ومبالغ به. أصوات حزن مبهمة تختلط بنوح يشبه أنين حيوان خرافي جريح. مع دخول الجنازة يقفز حفار القبور مستبشرا).

حفار القبور: يا بشرى.. يا بشرى.. هو ذا الفجر وذاك هو الجناز

(حفار القبور يؤدي مع الساحرات طقوس الدفن، تخرج الفزاعات بعد وضع الجنازة وتبقى البوم - امرأة تلطم وتندب- تلتفت بعد قليل إلى حفار القبور الذي يقوم بحركات غريبة تشبه رقصة الحرب. تتسلسل البوم هاربة وهي تلطم وتنوح).

16


المشهد السابع

(يتابع حفار القبور خروج البوم ثم يلتفت إلى صندوق كانت الفزاعات قد تركته، ينقض على الصندوق ببلاهة ونهم)

حفار القبور: أهلا أيتها النقود، سيكون بمقدوري ألان تحقيق الأمنيات سأحتضن النساء الفاتنات، واملأ بطني بالطيبات، وأبني قصرا كالأمراء. وأحتسي الخمر واكل من الطعام ما لذ وطاب.

(يكرر جملة ما لذ وطاب كمن يحلق في الأحلام).

تعتيم


المشهد الثامن

الحانة (الوقت بعد الظهر)

(الحانة أشبه بملهى للجيوش تحتشد فيه النساء – دمى– الشقراوات والسمراوات، وسط جو من الاضاءه الملونة والأنغام العسكرية)

حفار القبور: (كمن يشعر كأنه في حلم) أين القبور ؟ آه.... ليست هنا..... يبدو أنها أصبحت هناك، ومع ذلك فانا لا استطيع أن أراها من مكاني.... آه إنني في الحانة.... أخ... النساء... النساء.....إذن هنا النساء الفاتنات والخمور ؟؟ الخمور أولا لكي يصحو الرأس ثم النساء أين الخمر البهي... أيها النادل ؟ يعتقد إنني لا املك نقودا (صمت... يضحك مع نفسه) هوو إنها نادلة إني املك نقودا؟ تعالي وخذي النقود مقدما... تعالي (ينثر بعض النقود على الطاولة) خذي النقود واحضري الخمر لنشرب سويا (صوت الحادي من بعيد... يصمت حفار القبور)

17

حفار القبور: (لنفسه) غريب.... ينادي كان الوقت نهار (ينظر إلى الأضواء) غريب فعلا في هذه الارض، ثمة شيء يتغير... هذه المصابيح ما بالها تذر الضوء كالضباب ؟؟ سأعود بعد قليل... أضع الجنازة في القبر (للنادلة) وأعود تكوني قد أحضرتي الخمر ومكملاتها. (يذهب حيث تحتشد الفزاعات وأمامها تابوتان) بسم الله الرحمن الرحيم.... يا إخوان البقاء في حياتكم... سأضع الجنازتين هناك بانتظار الصباح وان شاء الله ندفنها صباحا.

الغراب (والفزاعات ترتدي الزي العسكري): يا حفار القبور نريد أن ندفنها ألان....

حفار القبور: ولكن هذا حرام.

البوم: اسمع يا حفار القبور... ستدفنها ألان وندفع لك أجرتك.

حفار القبور: ولكن هذا لا يجوز.. الدفن في الليل يعذب روح الميت.

الغراب: والدفن في النهار يعذب روح الميت.. والانتظار في الخلاء يعذب روح الميت وروح الأحياء.. لا تكثر من الكلام تدفنهما بسرعة ودون مراسيم.

حفار القبور: استغفر الله العظيم.. استغفر الله العظيم.. في هذه الحالة ادفعوا لي المبلغ مقدما.

البوم: ادفنها أولا وسندفع لك.

حفار القبور: استغفر الله العظيم.. الدفن هكذا حرام.. هذه أرض مقدسة وطاهرة.. لا تجوز فيها مخالفة الشريعة.

18

الغراب: غبي نحن في حالة حرب.. هناك عشرات الجثث ولا وقت لدينا لتطبيق الشريعة.

حفار القبور: كما تريدون.. أنتم أدرى مني.. ولكن الدفع أولا.

الغراب: أحمق! ننفق على حرب عظيمة من أجل حرية هذا الشعب، وأنت تطالب باجرة الدفن، هيا ادفنها وسجل على الحساب.

حفار القبور: على الحساب! أخشى أن لا أجد من أحاسبه. فمن الذي يضمن في الحرب.

البوم: نفذ الأمر دون ثرثرة وإلا......

حفار القبور: استغفر الله العظيم... أمنا الله.... أمنا الله (يتهيأ) أين الملقن؟ أم تريدوني إن ألقنها بنفسي أيضا؟

البوم: لا داعي للتلقين... الوقت متأخر ونحن مستعجلون.

حفار القبور: ولكن الدين ينص على....

الغراب: قلنا لك نحن في حالة حرب.

حفار القبور: عجيب.. في حياتي لم أرى أهلا يعاملن ميتهم هكذا.

الغراب: ادفنها قلت لك كفى (يعود الصوت إنسانيا حزينا يفطر القلب) لا تمزق روحنا حزنا.

(حالما يبدأ حفار القبور بعمله يسقط صندوقا على الأرض وتشتعل أضاءه الحانة من جديد حيث نرى فتاة ترقص مع الفزاعة وتغازلها... يدخل حفار القبور ساهما... الغراب من مكان ما يضع قناعه على وجهه وهو نسخة من وجه حفار القبور، يلقي الحوار وكأنه صدى روحه من مستوى عالي في المسرح... يلتفت إليه أثناء الحوار فيصطدم وجهاهما يضحك ضحكات ساخرة).

19

الشخص: أظننت انك سوف تقتحم الحرب كالغزاة ؟ وتشتري بفتاتها قصر الأمنيات ؟

النسر: (يغريه) خذ الشفاه.. تعال خذ الشفاه (يشرب حفار القبور حتى الثمالة)

حفار القبور: هات الشفاه

النسر: (يراوغه) خذ

حفار القبور: هاتي الأكتاف الغضة

النسر: (وكأنه يهرب) خذ

حفار القبور: هاتي الذراع (يمسك النسر ويبدأ بملامسته) سأعب من جسدك الفتان حتى التأوه والأنين وصرخة الدم في العروق. (ينفجر النسر في الضحك حتى يكاد أن يصحو حفار القبور ويبتعد عنه قليلا)

النسر: أما ترى أنني شقراء؟ (يتمشى قليلا) شقراء

حفار القبور: (يعاوده السكر) وهذا ما أريد؟؟ (يهجم على النسر) أين الشفتان؟ (يبحث عنهما في ظهر النسر في ساقيه وتحت الأرض) أين هما لأشد فوقهما شفتي حتى تغيبا فيهما، حتى تمصا من دمائي وتلفظاني فوق السرير (يبكي)

النسر: (يعود لوداعته) هاتان هما الشفتان، تعال لأريك إياهما (يرفع نقطتين من الأرض ويضعهما فوق وجهه.. يتقدم حفار القبور وقبل أن يلمسهما ينفجر صوت الحادي لثوان قليلة ثم يتحول إلى همس)

حفار القبور: ماذا يحدث ؟ جنازة في المساء أيضا؟ انتظرني وسأعود حالما أدفنه... إياك أن تخرجي مع رجل آخر.. ها ؟

20

(من مكان أخر تظهر خمس جنازات مرتبة فوق بعضها وفي ذات الوقت يرتدي فريق الدفن بدل الخوذ العسكرية كمامات الغاز نلاحظ أن الفزاعات قد نقص عددها إلى النصف.. البعض منها يرتدي زيا غريبا الغراب والنسر يتهيأن لمراسيم الدفن وتلقين الميت بسرعة شبه كاركتيرية.. حالما يصل حفار القبور يقدمون له رزمة من النقود ورزمة من الصناديق يمسك المسحاة وحالما يضرب الأرض نسمع صوتا يغني.. تشتعل الإضاءة في الحانة.. يدخل حفار القبور وهو يغني الغناء الذي سمعناه قبل قليل)

حفار القبور: أين تلك الجميلة التي طلبت منها أن تنتظرني ؟ أنا أحمل نقودا في جيبي لا ترابا فلماذا تعامليني هكذا ؟ أيتها التافهة

الغراب: (بلباس راقصة شرقية) لا داعي للشجار والصراخ. لقد طلب جميلتك أحد الرجال (تشير إلى دمية رجل مسلح) (تهمس في أذنه) هؤلاء الرجال لهم أولوية... أتريدني بدلا عنها؟

حفار القبور: (يتفحصها) أنت...؟ لا.. لا.. لا

الغراب: لم لا ؟.. ألست أجمل منها؟

حفار القبور: أنت (يضحك) أنت أيتها السمراء!

الغراب: غبي لا يرى أبعد من أنفه.. إن جميلتك ليست امرأة بل رجل

حفار القبور: (يتوقف عن الضحك) ماذا تقولين؟ (يعاود الضحك) رجل؟؟؟

الغراب: غبي لا يريد أن يرى أبعد من أنفه.. سأنادي جميلتك الرجل لتتأكد..

حفار القبور: لا داعي للتأكد في مزحة كهذه. تعالي... حالما انتهي من جميلتي الأولى التحق بك، هل يرضيك هذا؟

21

الغراب: (تنادي وهي تعاود الجلوس) مزيدا من الخمور لهذه الطاولة.

النسر: (يأتي النسر) تفضلي (صمت، حفار القبور يتفحص النسر.. صمت... يذهب النسر)

الغراب: ارايت ؟ إنها رجل.

حفار القبور: (مازال يتابع النسر) ولكنها ليست رجلا.... إنها امرأة وأي امرأة ؟؟ شقراء.

الغراب: أوف كما تحب، امرأة امرأة (تنادي النسر) تعالي واجلسي معه.

حفار القبور:(إلى الغراب الذاهب) إلى أين ؟ (يشير لها الجلوس) اجلسي... إن لدي من الجوع ومن القوة والنقود ما يسمح لي بفعل أي شيء.(يأتي النسر) اجلسي يا جميلتي اجلسي، سأفتح قلبي على صدرك الريان (يضحكون بعد فترة).

الغراب: أتريد أن تأتي معي هناك ؟

حفار القبور: بل معكما أنتما الاثنتين (يخرج الغراب والنسر ويرافقهما حفار القبور الموشك على السكر. فجاه يصغي ونسمع صوت الحادي همسا، يتمشى متعثرا من سكره... يتأفف بين تارة وأخرى من عملية الدفن... من مكان أخر نشاهد عربة قادمة تجرها الساحرة البوم... وتمشي خلفها الساحرة الأخرى فقط... يقترب حفار القبور متعثرا ودون طقوس)

حفار القبور: كم جثة؟

البوم: نعم؟

حفار القبور: كم جثة ؟ أليس واضحا سؤالي؟ كم جثة، لأقدر حجم القبر.

البوم: تدفن في كل مكان واحد ؟

حفار القبور: طبعا فورائي من الأشغال ما ينتظرني، كم جثة ولا تطل.

22

البوم: ح.... ح... حوالي 14

حفار القبور: 14 ؟ (يضحك سكران) يريدني أن احضر لهم حوالي أربعة عشر قبرا ؟؟ (يتناول المسحاة ويقفز على عربة الجثث وكأنه يريد أن يحفر قبرا في العربة) لقد مضى ذلك الزمن الذي ندفن فيه ميتا واحدا في الحفرة الواحدة.

البوم: حرام يا سيد (مع ضربة المسحاة نسمع صرخة وكأنها صرخة جثة تتحول إلى إيقاع تلقين الميت)

حفار القبور: نحن في حالة حرب، الله سيغفر للأحياء كما سيغفر للأموات.

(تطفأ الأضواء والإيقاعات مستمرة يعود حفار القبور إلى طاولته وقد تزايد سكره)

حفار القبور: (إلى الفتاة) دون كلام... دون كلام... لم اعد استطيع الكلام... أريدك ألان في هذه اللحظة... لا يهم أين (تضحك الفتاة) اخلعي عنك هذا القميص

الغراب: لا... أمام هؤلاء؟

حفار القبور: حتى في الغرف المظلمة يرانا الله، فهل تخجلين من رؤية هؤلاء؟ هم يخوضون حربا ولا يخجلون من العالم فلما تخجلين!

الغراب: لا اخجل... ولكن عيب.

حفار القبور: لا عيب ولا هم يحزنون... اسمعوا أيها الأصدقاء (يشير إلى الطاولة) هذا هو سرير النوم، وسأطفئ الأضواء ألان، لان بنت الحلال تخاف كشف مفاتنها أمام عيونكم الزرقاء..... أغمضوا أعينكم بسرعة، وأنت أيها النادلة أطفئي الأضواء، أريد جوا... أريد جوا (يرفع المرأة الغراب ويضعها على الطاولة لمساته وحركاته على إيقاع تلقين الميت... يعود صوت الحادي كلحن دون كلام، يركض إلى حيث حيث يستطيع مناداة الصوت)

23

حفار القبور: اذهب إلى الجحيم... ادفنهم أنت بنفسك، إما أنا فلن أغادر هذا المكان، لن أغادر (يعود راكضا... لهاثه صوت إيقاع الحادي...إيماءات حفار القبور هي إيماءات دفن الميت... مع تصاعد اللهاث يخلع قميصه، ويقترب منها كمن يريد ان يودع ميتا وداعا أخيرا... تتراجع المرأة الغراب وتمسك بإحدى الفزاعات)

الغراب: ابتعد..... إني أشم فيك رائحة القبور... ابتعد لا أريد أن أكون بين ذراعيك (ترمي في وجهه الفزاعة وتهرب مولولة إلى مكان ما في القاعة حيث بقية الساحرات يتهيأن لدور المنظفات..... يحتضن حفار القبور الفزاعة وكان به مسا من الجنون)

حفار القبور: مازلت تحترقين من شوق واحترق انتظارا.... صبي مفاتنك على التراب وعلى الكؤوس الفارغات بعثريها بين أغطية الموائد وبين ذراعي جائع ولهان.(يعري الفزاعة وهو محموم تظهر دمية عادية تحت الملابس لكنه مستمر في المداعبة)

حفار القبور: صبي علي جمالك الفتان (يفتح عينيه ويسقط عن الطاولة... ينظر إلى الطاولة) لا بل القبور... لا بل الجمال، القبور، الشفاه قبور في شفاه في قبور في قبور. (تدخل الساحرتان وبأيديهما مكنستان... تباشران في تنظيف المكان يكنسنه فيتدحرج بعيدا، يعتدل حفار القبور في جلسته ليكتشف أن ما بين يديه دمية)

24

الغراب: (بسخرية) اذهب لمقبرتك ما جئنا لأمثالك أيها التعس (تسحب الدمية من بين يديه)

حفار القبور: سأعود إلى المقبرة حيث لا فاتنة أضمها إلى صدري لا تأوه ولا أنين، لا صرخة الدم في العروق، لا بهجة لا حنين

الغراب: هيا اذهب.

حفار القبور: نعم ساذهب لا مكان لي هنا.

الغراب: (يبدأ طقسا سحريا) عد إلى المقبرة، فالنعوش تحلم بك، برفشك ومسحاتك عد إلى مهنتك الأثيرة.

النسر. (كمن يمارس التنويم المغناطيسي) كن كما كنت، فليس هنا مقامك، قد مات ظل الأرجوان في أخر الأفق البعيد

الغراب: إياك إياك أن تصوب مقلتيك خارج الصحراء (تلمس عينيه تريد إغلاقهما مثلما نفعل بالميت).

حفار القبور: ولكني أريد النساء.. وقصرا بديعا كالذي وعدت به في السماء، أليس هذا ما وعدتم به؟

الغراب: النساء لا يضاجعن حفار القبور.. ولا حتى الساقطات منهن فمن جسدك تفوح رائحة....

حفار القبور: وأنت.. ألم توافقي قبل قليل على أن تنامي معي؟

الغراب: كنا نتسلى معك لحين انجاز العمل.. فما أنت إلا حفار القبور.. اذهب من هنا.. اذهب قبل أن أرميك بسياط الموت؟

حفار القبور: (يكاد يغرق فعلا في عملية التنويم المغناطيسي) أتوسل إليك.. أتوسل إليك (يدخل الدعاء ليستعيد وعيه شيئا فشيئا).

25


المشهد التاسع

(تدخل الساحرات من ثلاث جهات وتقف خلف حفار القبور)

النسر: (للغراب) تعالي تعالي تعالي. يا من تطئين البحار والصحارى بأقدام ثقيلة تعالي من أطراف الأرض. وانعقي طربا للدماء. (للبوم) دعي نار الحقد دفينة تحت الرماد. غدا يتأجج سعيرها أكثر من ذي قبل. أكثر من قسوة الحقد لديك.

الساحرات: نصرخ بالنداء من خلجان الدم حيث شبت الحرب الطاحنة. من بقاع شاع فيها أنين خافت، وسالت دماء لم نذق لها طعما.

الغراب: (تشير إلى حفار القبور) أشعلي في قلب هذا المسكين، ظمأ لا يرتوي، للقتل وإحراق المدن.

البوم: انزعي من قلبه الرحمة

النسر: ثم انظري كيف يقتل ذوو الأرحام بعضهم بعضا.

الساحرات: هذا أوان الموت وموسم الخطيئة، هذا أوان الموت وموسم الخطيئة. (تختفي الساحرات خلف ديكور آلة الحرب).

حفار القبور: بحق النار والظلام، أتوسل إليك، أتوسل إليك صباحا أتوسل أتوسل ليل نهار، أنت الذي تطفأ النور، وتنير وجه السماء، أنت الذي تنصر الضعيف وتدمر القوي، أنت الذي ترى الجميع يرفعون رؤوسهم ويديرون عيونهم إليك، بيديك إعادة الميت إلى الحياة، ونزع الحياة من الحي، جليل عظيم أنت يا راعي البشر، ومن وحده يستطيع إن يفهم حكمتك ؟ من لم يرتكب خطيئة قط اغفر لي خطاياي التي ارتكبتها، والخطايا التي سأرتكبها حل عني قيودي، حقق رغباتي وامنحني بركاتك،

26

(أثناء الدعاء يقوم حفار القبور بزرع شواهد على القبور في الأرض حتى تمتلئ)

النسر: (يطل من خلف الديكور) ليس الدمار ضربة عنيفة كما تحسبون بل هو شيء جيد رقيق... الدمار ظل الحب.

البوم والغراب: (يطلان من خلف الديكور) الدمار ظل الحب... الدمار ظل الحب لا تجزعوا فكلابنا تزلزل السماء، لا تجزعوا فكلابنا تنذر بالدموع والدماء، لا تجزعوا فجحيمنا سيفتح مزاريب السماء.

النسر: يا ملح يا مليح، يا جوهر يا فصيح، يا من في الماء تذوب وفي الماء تغرق وتصيح، ادعوك ان تركب دواليب الريح وتبعث حفار القبور ليحترق بحبنا ويصيح.

(البوم وبطريقة كاريكاتورية يستلقي على الأرض، ويكتب كلمات مبهمة على ورقة، الغراب يحضر إناء ماء ويذيب الورق بداخله، ثم يرش حفار القبور الذي يرتعش، ثم يتحفز بحماس عندما بحضر النسر مجموعة من الصناديق وينثرها بين القبور)

حفار القبور: آه... ما هذا النعاس الذي يدب في، كأنني مجبر على النوم والطاعة العمياء، قد أكون أصلا نائما وكل ما مر كان حلما مزعجا، وقد أكون مستيقظ ولا أقوى على جمع ما بهذه الصناديق من مجوهرات وأموال... لا... لا الأرجح إنني نائم (يأخذه النوم وهو يقاوم النعاس بصعوبة)

(تختفي الساحرات، ويدخل الشخص، ويفتح الصناديق واحدا تلو الأخر)

الشخص: (يقرا عن ظهر صورة) وذكرت قريتنا، يهف بها ويسبح في مداها قمر تحير كالفراشة والنجوم... وكان جسمك زورق الحب المحمل بالطيوب (يلتقط دفترا صغيرا ويقرا) سمعتك يا وطني، وكنت دورة اسطوانة، هي دورة الأفلاك من عمري، تكور لي زمانه، هي وجه أمي في الظلام وصوتها ينزلقان مع الرؤى حتى أنام، وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب، (يلتقط قصاصة ورق من صندوق أخر) يا إخوتي المتناثرين من الجنوب والشمال، بين المعابر والسهول وبين عالية الجبال، أبناء شعبي في قراه ومدائنه الحبيبة، لا تكفروا نعم الوطن، خير البلاد سكنتموها خضراء وماء، والشمس نور الله تغمرها بصيف أو شتاء، لا تبتغوا عنها سواها، هي جنة فحذار من أفعى تدب عليها.

(أثناء قراءة الشخص يستيقظ حفار القبور ببطء. يفتح صندوقا بين يديه، يصعق حين يرى ملابس جندي ملطخة بالدماء، يقفز من مكانه)

27

حفار القبور: ما هذا ؟ انها ليست نقود، أهذا هو الثمن.. لا.. لا قد يكون هذا هو الصندوق الوحيد الذي يحوي ملابس الجندي المدماة حتما تمتلىء باقي الصناديق بالمجوهرات والأموال. (فجأة يلمح الشخص يجلس فوق أحد الشواهد حزينا، يهجم عليه)، أيها اللص، دع عنك هذا أين النقود (يفتش جيوب الشخص ثم يدفعه خارج المقبرة) ابتعد عن المقبرة هيا ابتعد (ينثر ما بداخل الصناديق بفوضى وهستيريا) من دفن بقية الموتى، أين حقوق الدفن، اللصوص يعتدون علي يسرقوني في وضح النهار، الكلاب، أين النقود، أين البخاشيش السخية (يعثر على صورة وسط الملابس المدماة يتأملها ويصمت فجأة).

28

يا ليت للموتى عيونا من هباء فلا ترى شقائي، أواه... أخي أرى بين الجثث ؟ ياعذاب الروح ؟ أكان عدلا أن تدفع ضيا عينيك لهذا الموت المجنون.

(فجأة تتعالى أصوات التشيع لجنازة جديدة، يصمت حفار القبور ينسحب إلى مكان لا تراه منه الساحرات، تدخل الساحرات وهن يحملن الفزاعات ويهمهمن بأصوات مبهمة، تتخللها نظرات غريبة نحو حفار القبور، يضعن الجنازة ويغادرن المسرح)

(حفار القبور يحزم تردده ويقترب من النعش، يزيح حاشية الغطاء من جهة الرأس ثم يتراجع مذعورا)

حفار القبور: أيا سماء، هي التي حقا أراها ؟ ماتت كمن ماتوا وأنا الذي أيضا أواريها، كما واريت من قبل مئات سواها ؟ أماه قتلتك حين باركت الحرب اللعينة.(يركع على ركبته وينوح بالم.... بين حين وأخر يقاطع نواحه نعيب الغربان) النور ينضح من عيونك، والعار ينهش في ظنوني، يا ليت أبواب قلبي فيك تلتهب، يا ليتها دون نبض، ياليتها حطب سود كما اسودت الأموات أسراري. (يخلع ملابسه العسكرية وهو ينتحب. يشعل فيها النار، تظهر الساحرات يتعاملن مع النار بطقس مفجع، حفار القبور يتجمد في مكانه)

النسر: قد استفاق حين اقترب.(يتصاعد طقس السحر)

البوم: كن مقلة لا تدرك التلوين.

الغراب: كن شفة لا تعرف الحنين.

29

النسر: كن فكرة ينكرها اليقين.

البوم: كن حطبا.. كن عطبا.. كن طين.

(الساحرات يركضن بين القبور وديكور كتلة السلاح، يلبسنه ملابس المهرج، حركاته الية، يسحبنه للعمق)

الغراب: عد إلى مهنتك الأثيرة.

البوم: عد كما كنت مهرجا.

النسر: مهرجا وشاهد زور.

أغنية الختام

_انتهى_

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 26 كانون1/ديسمبر 2011 08:44
 
...

بيانات الاتصال

رام الله - فلسطين

664

popular.theatre.pal@gmail.com

 5854 298 - 02

5854 298 - 02