نصوص ومقالات مقالات 2
2
الكاتب: Obaida Salah
الإثنين, 26 كانون1/ديسمبر 2011 08:31
PDF طباعة أرسل إلى صديق

 

27 آذار يوم المسرح العالمي

شاتيلا تحتفل بالمسرح!

مخيم شاتيلا الذي أصبح مسرحاً لأحداث دامية، تواصلت فصولها منذ صيف 1982، شاهد المسرح في مهرجان شعبي، قبل الغزو الإسرائيلي بأيام، وبمناسبة (يوم المسرح العالمي 27 آذار)، نستعيد تفاصيل ذلك المهرجان، كي لا تصادر تفاصيل المجازر والمآسي الدامية، صورة أيام حلوة، عاشها سكان المخيم في ظل الثورة.

أنهكت قوى مجموعة صغيرة من شبيبة المخيم، وهي تدهن جدران شاتيلا المنهكة – لكثرة ما الصق عليها من صور وشعارات- بطبخة النشاء اللزجة، وتلصق إعلاناتها عن أسبوع المسرح التقدمي. فقد انتصف الليل، والسواعد الفتية، لصبايا وشباب المخيم من (أعضاء نادي الأرض) تقتنص المساحات الفارغة على الجدران، لتضع إعلاناتها بعناية، فكثيراً ما اضطرت إلى لصقها، فوق صورة شهيد، أو شعار سياسي، أو مواطن كتب تحت نافذة كوخه (عكروت ابن عكروت من يرمي الزبالة هنا).

فهذا الحدث (أسبوع المسرح التقدمي)، يستحق خرق القوانين والأعراف، ويستوجب وضع  الإعلانات في كل مكان. فلأول مرة ينظم أسبوع لعروض مسرحية، داخل المخيم، الذي يعج بعشرات الآلاف من كل (لون وجنس وملة) – كما كانت تقول أم حسن فرحات.

وتساءلت (نادية)، التي كانت تقود مهمة الدعاية، عن إمكانية نجاح هذا الأسبوع، وهي التي تعتقد أن المسرح يحتاج لشروط كثيرة، غير متوفرة في المخيم، إلا أن (إبراهيم) كان واثقاً من النجاح، مادامت الفرق استعدت للمشاركة، والثقة بجمهور المخيم مقياس للإيمان بفائدة هذه المبادرة، لذلك ناقش اللجنة الشعبية للمخيم في اجتماعها الأخير، بأهمية دعم الفكرة، وتسهيل كل ما يحقق نجاحها، ورغم استغراب اللجنة الشعبية، التي كانت مشغولة، بمشاكل الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي والماء وغيرها، فإن علمها بعدم وجود أي موازنة لإنجاح المهرجان، دفعها لتشكك بإمكانية النجاح، خاصة وأن المكان المطروح لتقديم العروض (ملجأ معسكر الأشبال)، كان قد أصبح مستنقعاً، بسبب تسرب مياه المجارير المجاورة.

القاعة

أما (موفق) الذي كان مشرفاً على تنظيف الملجأ – وهو الشاب الأنيق الرقيق، الذي يتأفف من كنس غرفته، وتنظيف الأواني التي يأكل بها- وقف عاجزاً يائساً، أمام هذه المعجزة ولكن أين المفر، ثلاثة مولدات كهربائية ضخمة أنت طوال الليل، وهي تبلع المياه الموحلة من باطن الأرض، وتقذفها في المجرور المجاور فوق الأرض. عشرات المكانس والمساحات، تحاصر الأوساخ والرطوبة وخيوط العنكبوت وحجور الجراذين والأدوية والكيماويات تنشر في كل المكان، فتهرب الحشرات، وتختنق الروائح الكريهة ميتة، أي انجاز هذا الذي تحقق (يا موفق) في ثلاثة أيام!

المنصة

وأين ستعرض الفرق مسرحياتها في هذا الظلام والفراغ؟ وأين سيجلس الجمهور؟ تساءل (نصير) ببراءة الأطفال. ولكنه على أية حال تورط، فقد كلفته لجنة المهرجان، بانجاز الخطة الموضوعة لإعداد المنصة، فها هو البناء (أبو العبد حسون) يقتنع بالفكرة، ويساهم مجاناً بنصب منصة خشبية مساحتها (12*8) متر بارتفاع (125) سم، ويكسوها بـِ (شادر) خيمة متينة، والكهربائي (عدلي المصري) يصمم في ورشته الصغيرة، جهاز تحكم كهربائي ويجري اللازم من تمديدات للأسلاك، وتوزيع لمصادر التغذية، وإنارة الصالة والسلم، وللاحتياط يؤمن خط آخر، من المولد الكهربائي الضخم للجبهة الشعبية، ومولد آخر من مكتب فتح المجاور. وفرقة (نوح إبراهيم) المسرحية تتبرع بستائر سوداء استخدمت كواليس للمسرح، والجزء الذي بقي عارياً، تبرع (أبو حسين) تاجر القماش في الحي بتغطيته (اعتدال) الخياطة قامت (بدرز) القطع السوداء بالمقاسات الدقيقة. و(أسامة) قام بنفسه بتغطية المسافة الفارغة في نهاية القاعة بالخيش الذي تبرع به (أبو سالم) تاجر الجملة، لحصر الصوت وتخفيف الصدى داخل هذا البهو الواسع. وتراكض الأطفال لنقل (ستمائة) كرسي تم استئجارها على الحساب داخل القاعة التي اكتملت صورتها وزينتها، كعروس تنتظر الزفاف.

الجمهور

ها هي القاعة جاهزة، يا مسؤولي الفرق المشاركة... ها هو فضاؤنا وفضاؤكم، من الفقر والوحل وحياة البؤس وهاجس الموت ذبحاً وغدراً من العدو، والصديق العدو، نزين فضاءنا، المنذور للتضحية والافتداء بالأعمار والأبناء، والمكان المؤقت لنخلق لحظة فرح وحنين لحياة عشناها هناك، أن نحلم بعيشها نحن وأبناؤنا في زمن قادم، نلتقط فيها الأنفاس، ونمارس فيه الحياة كباقي البشر بأمان وسلام. ها هو فضاؤنا وها هو مسرحنا فأطلقوا فيه من إبداعكم، صوراً لحياة أخرى تبصرنا وتصبرنا وتمتعنا فنحن بشر.

ولكن الجمهور... هل حقاً سيأتي جمهور يملأ كل هذه المقاعد؟؟ ضحك (إبراهيم) وقال لـِ (روجيه عساف) ستذكرون في يوم ما، أنكم قدمتهم أجمل عرض لِـ (الحكواتي)، لأجمل جمهور في (شاتيلا)، وتوزع أعضاء (نادي الأرض) مجموعات صغيرة تطرق البيوت بيتاً بيتاً تشجع على المسرح، وتبيع البطاقات الرمزية الثمن، (أدفع أجرة الكرسي الذي ستجلس عليه فقط) وفي المعسكرات والمكاتب كان يتم الاتفاق مع المسؤول العسكري أو التنظيمي – بعد أن يتحمس فوراً، أو "يدوخ" من إصرار أعضاء النادي على شراء البطاقات، بعدد عناصره، على أن يدفع ثمنها في نهاية المهرجان، أي إذا أعجبتهم العروض.

حركة محمومة في أزقة شاتيلا، إقبال مذهل وأسئلة لا تنتهي عن هوية الفرق، وأسماء الممثلين، وتمديد العروض، والمسرحيات –(بتضحك وإلا بتبكي)- وإمكانية اصطحاب الأطفال، والدفع في وقت لاحق. وأم تسأل عن إمكانية دخول أطفالها الكثيرين، ببطاقات أقل من عددهم. حتى المرحوم (أبو أحمد السعيد) مختار المنطقة، تساءل هل في المسرحيات ما يفسد أخلاق الشباب؟ أو ما يتعارض مع الدين؟ والبعض يسأل: من أين جئتم بالمال لإقامة هذه العروض؟ وإلا فإن في الموضوع (إنَّ)...

المهم غمرت الفرحة (نادية) عندما تأكدت من أن جميع البطاقات نفذت، وان المقاعد ستمتلئ كل يوم، بل رتبت إدخال من عشرين إلى خمسين متفرجاً وقوفاً، وسجلت في دفتر صغير، أسماء ما يزيد على مائة طفل، ليسددوا لاحقاً ثمن البطاقات التي ابتاعوها، دون أن يتمكنوا من إحضار ثمنها من أمهاتهم. وسجلت فرحتها الثانية، عندما اكتشفت خلال الإحصاء لمجموع المتفرجين أن 40% من الجمهور نساء وكيف لا تفرح وهي من المتحمسات لتحرر المرأة!؟

أما سهيل الذي كان مسؤولاً عن النظام والأمن – بناءً على اقتراح منه- منع اقتراب أي سيارة من المنطقة، إلا بعد تفتيشها، وداخل القاعة كانت تسحب السيجارة قبل أن تشعل من فم أي صاحب مزاج، لا يلتزم باليافطات التي علقت على جدران الملجأ وممراته، فما بالك بمن يشاغب خلال العرض؟!

مواضيع المسرحيات المعروضة

في اليوم الأول وبعد كلمة الافتتاح، قدمت فرقة الحكواتي مسرحية (أيام الخيام) وتتناول هذه المسرحية قصة الجنوب اللبناني وحكاية العرب، تحكي عن (الحاج محمد) الذي هجر من بلدته الخيام، وجاء إلى حي السلم، فرفض أن يموت في هذا المكان الضيق فمات (منتحراً) على صخرات الحمام العسكري، حيث يقذف بنفسه إلى البحر، بعد أن يرمي هويته أيضا. تحكي المسرحية عن معاناة الجنوبي الذي هجر والصعوبات التي يعيشها في أحياء بيروت الفقيرة التي لا يدخلها الهواء، كما تروي ويلات القصف، مختزلة ما حدث للجنوب، وخاصة لقرية الخيام سنة (1978)، والحكواتي يروي الحكاية عما يجري في الجنوب قبل أن تنساها الناس، وبلهجة أبناء الجنوب، بفلوكلورهم وعاداتهم وطيبتهم وتعاونهم، مسرحية تعمل على إحياء الذاكرة، والتراث الشعبي قبل أن يذوب في زحمة المدينة، وكان صمت الجنوبيين الذين حضروا العرض من سكان المخيم وأطرافه يخفي دموعاً كثيرة لفرط تأثرهم.

وفي اليوم الثاني، قدمت فرقة الإعلام الجماهيري، مسرحية (الفيل يا ملك الزمان) والتي سبق (محمد الشولي) في صياغة هذه الحكاية المعروفة مسرحية، الكاتب (سعد الله ونوس) والحكاية، حكاية فيل الملك، فيل مدلل ومقدس، يعيث خراباً بممتلكات النساء، يحطم منازلهم ويقتل الأطفال والشيوخ والنساء، حتى لم تعد الرجال تستطيع الدفاع عن نفسها نظراً لشراسته، وهجماته المتكررة وهذا دفع الناس لاتخاذ قرار بالذهاب غلى الملك، وإخباره عما يحدثه فيله من قتل وتخريب، (فتمرن) الجميع على العبارة، أو الجملة التي يفترض أن تقال للملك، وكان الاتفاق على أن يقول أحدهم للملك: (الفيل يا ملك الزمان) فتردد البقية (قتل أولادنا... وخرب بيوتنا... الخ) وفي اللحظة الحاسمة، وحيث تم الفعل، وقابل الوفد الملك، إذا بالجميع يتراجعون عن مواقفهم، ويحولون مهمتهم من شكوى الفيل للملك، إلى مهمة تزويج الفيل، وبالطبع تفادياً للموقف المحرج وغضب الملك. وقد حاول (الشولي) في المسرحية، أن يبرز القضية الفلسطينية، بإسقاطات سياسية، الفيل فيها رمز للامبريالية، وخرطومه رمز لعرب النفط.

وفي اليوم الثالث قدمت (فرقة السنابل) للأطفال مسرحية (صابر والعيد) حوار وأغاني (حسن ضاهر) موسيقى (غازي مكداشي) والقصة هنا من وحي العيد، عيد الأطفال الحمار صابر يريد العيد، مروان وزهرة كذلك، فما العمل؟ يفتشون عن العيد فلا يجدونه، جابوا كل الشوارع وسألوا ولا من يجيب، حتى وصلوا أخيراً لكن الباب اقفل في وجهوهم لأنهم لا يحملون (المصاري) ولم يكونوا وحدهم في مواجهة الموقف، بل كثير من الأطفال ليس مهم المال، عندها يتفق الجميع أن يحولوا الشارع الذي يقفون به إلى عيد، ويبدأون كل يحمل بيده شيئاً يتبرع به، ويشترك الجميع بالعمل... حتى الحمار صابر يشارك معهم ويحمل أخشاب صاحبه، ليعمر مرجوحة العيد مع الأطفال، وهكذا يتحول الشارع إلى عيد، بهمة الجميع ويغني الجميع يرافقهم الجمهور الحضور لأن اليد ليس مقتصراً فقط على الأغنياء بل إن جميع الأطفال بالعالم يحق لهم أن يعيدوا، وأن يفرحوا بالعيد، حتى ولو كانوا لا يملكون المال اللازم. وقد جاء تحريك أعضاء الفرقة لعرائس "الماريونيت" بدقة وسهولة، مترافقاً مع الأغنيات الجميلة، التي رددها جمهور الأطفال وأعادها أكثر من مرة خلال العرض.

أما العرض الرابع والأخير مساء 30/5/1982، كان لفرقة الغد العراقية، التي قدمت مسرحية (موت جلاد) عن نص المسرحية العالمية (القصة المزدوجة للدكتور بالمي) وتبحث في أزمة (ضابط) مخابرات، يقوم بخصاء أحد المناضلين السياسيين في المعتقلات الفاشية الاسبانية، فتنعكس هذه الممارسة في لا وعي رجل المخابرات –نوع من الندم الداخلي- على شكل خصاء نفسي، فلا يعود بإمكانه ممارسة الجنس مع زوجته. أما حل هذه الأزمة فلا يمكن أن يتم حسب رأي الدكتور بالمي إلا عن أحد طريقين... الأول أن يقتنع المريض، اقتناعاً مطلقاً بأن عمله صحيحاً ومبرراً من الناحية الإنسانية والاجتماعية، وهذا مستحيل بالنسبة للمريض، لأنه مريض بسبب الندم الداخلي. الثاني: أن يقف المريض موقفاً جديداً رافضاً لمثل هذه الممارسات، أي أن يتحول فكرياً وطبقياً ضد ما هو قائم وفي خضم الصراع بين اختيار أحد الموقفين ومحاولته الدائمة للبحث عن موقف ثالث، يضمن له الابتعاد عن مثل هذه الممارسات أولاً ويضمن له حياته بشكل سوي ثانياً، يموت منتحراً على يد زوجته.

هذه هي العروض الأربعة، التي قدمها المهرجان والتي كان من المفترض أن تكون ستة عروض لولا ظروف إعاقة مشاركة (نوح إبراهيم) وفرقة أخرى للأطفال.

ولأنك في زمن الثورة –الذي نتحدث عنه هنا- كنت حراً، تقول ما تشاء، وتسير في شوارع الفاكهاني وأزقة مخيم شاتيلا وشعورك بالأمان فيها أعلى من أي بقعة في العالم، تنجح في تنظيم مهرجان مسرحي صغير، دون أموال ورقابات، ومراسيم مقيتة، ولأنك إن سعيت نحو إنسانيتك تحتاج إلى فضاء تتنفس فيه، ولأن الثورة هي رئتي الشعب وعقله، فالوحدة هي النبض الأول لاستعادتك الحياة، التي تكاد تنسل من بين يديك.

سعيد القيسي

الهدف- 30/3/1987 العدد 858

 

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 26 كانون1/ديسمبر 2011 08:38
 
...

بيانات الاتصال

رام الله - فلسطين

664

popular.theatre.pal@gmail.com

 5854 298 - 02

5854 298 - 02